أن يكون مفيدًا للعلم، فهو إلى إفادة الظن أقرب، وإن قال: نعم: قلنا: والظن كالعلم في وجوب الإلحاق، فإنا لم نستبن من المناسبات إلا الظنون.
فإن قال: لم ينقل عن الصحابة هذا الجنس، قلنا: المنقول عنهم ينحصر، بل فهم من مسالكهم إتباعهم غلبات الظنون، وهو: الحكم بالرأي الأرجح.
فإن قال: فكم من رأي غالب تركوه، قلنا: ذلك لمخالفته نصًا، أو قياسًا، أو رأيًا أغلب على الظن منه، فإما أعراضهم عن الرأي الغالب السليم عن القوادح والمعارضة -فلا يظن بهم، ولا يستجيز مسلم أن يتقول ذلك على صحابي أو إمام متدين؛ فإن من أنكر الشبه، أنكره: من حيث [أنه] لم يبين له وجه غلبة الظن [منه]، ومن اعترف بحصول غلبة الظن، ثم أنكر الحكم به -كان معاندًا.
فإن قال قائل: قد ثبت بما ذكرت أن نوعًا من القرب يجوز أن يفيد ظنًا؛ وهذا لا ينفعك في هذه المسائلة، فإن القرب بالطعم لا نسلم أنه مفيد ظنًا.
[ ٣٥٦ ]
قلنا: وليس من غرضنا عين هذه المسئلة، بل غرضنا: إقامة البرهان على جواز إعلام الحكم بصفة لا تتناسب، يقع -بالمقاربة والمشاركة فيها -الاشتراك في الحكم؛ وقد حصل الغرض.
ثم طريق تقرير الظن في هذه المسألة: أن نبين أنه لا علامة، تقدر حاصرة أو جامعة، للتمر والزبيب - إلا القوات والكيل والمالية والطعم، وقد بطل الكل إلا الطعم، أو ترجح الطعم: فصار أولى، وإذا سلك هذا المسلك حصل الظن، وعند ذلك تجوز الفتوى به والعمل عليه.
وقد تقررت القاعدة؛ فما من أصل إلا ويقاربه ما هو في معناه؛ علمًا، أو ما هو في معناه: ظنًا، وكل ذلك: لمشاركته إياه في علامة معلومة أو مظنونة؛ فإن لم يوجد ذلك، اقتصر على النص: إذا من النصوص ما لا يتعدي حكمها؛ إذ لا يوجد ما هو في معناها، أما الزبيب، فقد علم أنه في معناه: قبل أن تتعين العلامة؛ لأنه كيفما تصور [في العقل] العلامة، وقد قال النبي -﵇ -: «من أعتق شركا له في عبد: قوم عليه الباقي)، فالعبد معلوم باسمه، وعلم أن الأمة في معناه قبل أن نتبين حد العلة والعلامة الحاصرة؛ ولو أعتق نصفًا من عبد يملك
[ ٣٥٧ ]
جميعه: لم يقوم عليه، ولم يكن ما عتقه مسمى باسم الشركة؛ ولكن نعلم أنه يعتق وأنه في معناه؛ ولو أعتق نصفًا معينًا من عبده، أو عضوا كيده أو رجله- غلب على الظن أن بعض العبد في معنى بعضه؛ شائعًا كان أو معينًا، كما كان نصف العبد الخالص في الملك: في معني النصف الممزوج بملك الغير. ولكن ذلك معلوم، وهذا مظنون. وإنما ينكشف هذا الظن بأن نبين أن لكون [المضاف إليه محلًا قابلًا] لسائر التصرفات -أثرا في سريان العتق، فينقطع ما ظناه، أو نبطل عليه ما ذكره، فسلم الظن الأول.
وكل وصف لا يناسب وعلامة شبهية ظهرت أولًا، فهي على خطر الانمحاق بمعني تقابل به [هو أظهر] أو أولى منه؛ وكذلك كل مناسب يظهر أولًا، فهو على هذا الخطر، وذلك لا يدل على بطلان جنسه.
وإذا انتهي الكلام إلى هذا المنتهي، فلو تحدينا وادعينا أن القول بالشبه قطعي في فن الأصول: لم نبعد؛ إذا بان على القطع أن غالب الظن متبع، وبان في العقل جواز استفادة [الظن من نوع من القرب
[ ٣٥٨ ]