ولو أحدث محدث رسما آخر، وأراد قطع المطالبة عن نفسه، بمجرد التعليل- لم يصغ هؤلاء إليه؛ وإنما يتلقاه بالقبول طوائف من المشايخ: هجروا وهجر كلامهم، وشهروا بالانفكاك عن التحقيق، بمصيرهم إلى القبول بنوع من التعليل: لا يناسب، ولا يؤثر. فإذا كانت المسئلة رسمية، فعلينا أن ننبه على المراسم، وطريق مكالمتهم. وقد فعلنا ذلك.
فإن قال قائل: هذه حكاية مراسم [الجدال] مع التنبيه [٥٧ - أ] على المراشد في مجادلة هؤلاء الفرق؛ [فما الذي ترونه أليق] بمصلحة المجادلة: الاشتغال بالاعتراض على كل طرد يذكر، أو المطالبة بإظهار الوجه الذي منه استقى غلبة الظن؟
قلنا: المعهود من عادة المشايخ- في الأعصار السابقة [على هذا العصر]- الاشتغال بالاعتراض، دون الجمود على المطالبة، فكانوا يسمعون كل قياس ذكر، اشتمل على جمع بين فرع وأصل برابطة؛ [و] كانوا ينقضونه: أن كان منقوضا؛ ويقابلونه بما هو أولى [منه]
[ ٣٨٢ ]
من أوصاف الأصل: إن كان مقابلا. وهذا هو الواجب في مصلحة الجدال.
وبيانه: أن الجدال لا يخلو أما أن وضع لمقصود الأفحام والإلزام، ومؤاخذة الخصم في مضائق الخصام؛ أو [وضع] لإبداء [مستند فتوى المجتهد] الذي يحل الاعتماد عليه في الفتوى.
فإن وضع لإبداء مستند المذهب: فينبغي أن لا تقطع المطالبة عمن أبدى مناسبا أيضا؛ بل يكلف أن يسبر أوصاف الأصل وما يقدر فيها: من مخيلات؛ ثم يسبر الأصول التي تقدر ناقضا؛ ثم يسبر المعارضات بطرقها، ويبين سلامة ظنه عنها، فهو الذي يجوز الاعتماد عليه في الفتوى. وهذا ما أوجبه القاضي [أبو بكر]- ﵁- في كل مسئلة على كل معلل؛ وقال: ما لم يسبر سائر المعاني والمفسدات، ولم يدفعها- لا يستقر قدمه.
وهذا قد اتفق أهل الأعصار على خلافه في مصلحة الجدال؛ لأن الجدال معاونة على النظر، ومصاولة بأسلحة الخواطر والفكر؛ ولو وظف على المعلل ذلك في الابتداء: لم يبق للخصم كلام؛ وانبث الأمر من غير جدوى.
[ ٣٨٣ ]
وإذا بطل هذا المأخذ، فنقول: الجدل موضوع لتنقيح الخواطر وامتحانها بالتداور على درجات الفكر؛ ولإفحام الخصم، وقطعه بالإلزامات، ولذلك أجمعوا على قبول التعلق بمناقضات الخصم. وتعلق فريق بالتركيبات- وهم الأكثرون- ولم يجوزوا للمعترض أن يمنع النقض ويدل عليه. إلى غير ذلك: من أمور لا تخفى. فوجب- على الضرورة- رعاية مصلحة الجدال. فنقول الآن: كل طرد ذكره المعلل فهو مسموع؛ ثم هو مردود بطريقة: إن كان مردودا. ولابد وأن يذكر وجه رده بالنقض: إن كان منقوضا؛ أو بالمقابلة بفاسد يقاومه: إن كان فاسدا؛ أو بالمعارضة بتحكم يساويه: إن كان تحكما. حتى يجتزئ المعلل الطارد المفحش في طرده على قرب، ولا يطول الخصام بالمطالبة بإبداء وجه غلبة الظن، وتنازعهما في أن هذا مغلب أم لا، وتحاكمهما إلى أهل المجمع مع افتراق القرائح فيه. وهذا ما عهد من الأولين.
فيقول: اتفقنا على جواز التعليل بما لا يناسب. ونفرض مثلا في الجص، فنقول [مكيل فكان ربويا. فقيل: ولم قلت: إن البر ربوي لكونه مكيلا؟ فنقول:]، لابد من طلب علامة [لحكم] الربا،
[ ٣٨٤ ]
ولا علامة إلا الكيل. فهما مقدمتان، ففي أيهما النزاع؟ فإن [قال: لا أسلم] أنه لابد من طلب علامة، بل الحكم معلوم باسمه. فهذا سؤال صدره عن إنكار القياس [بل هو عين معتقدهم]؛ فإن قال: أوجب طلب العلامات، ولكن من الأحكام ما يعرف باسمه، فبم تنكر على من يقول: هذا من ذاك؟ فهذا السؤال مقبول، وهو مقاومة في علامة [الأصل] بما يقابله. إذ حاصله رجع إلى أن الحكم في البر معلوم بكونه برا؛ وهو [يقول: وهو معلوم بعلامة الكيل. فقد عارضه بطرد مثله؛ فعليه إبطال] ما ذكره، أو الترجيح. فنبين له- بطريقه- بطلان التخصيص بالاسم، وهو: الإجماع القاطع على أن الحكم غير مقصور على اسم البر والتمر، كما تقدم. أو بطريق آخر يساعده في كل مسئلة، على حسب النظر فيها. فرجع حاصل الأمر [فيه] إلى منعنا إياه عن قوله: لم قلت: إن العلامة هي الكيل، مع الاقتصار عليه؟ بل ننبه على علامة أخرى تقاوم كلامه في كونه طردا؛ وهو: كونه برا؛ إلى أن يفرق ويرجح.
فإن قال: سلمت أنه لابد من طلب علامة زائدة على الاسم، ولكن
[ ٣٨٥ ]
لم قلت [لا] علامة إلا الكيل؟ - فهذا السؤال مردود مع الاقتصار على هذا القدر؛ فإنه سؤال لا منتهى له. وفي تمهيده حسم طريق الجدال. إذ غايته أن نقول: لا صفة إلا الطعم والقوت [والكيل] والمالية؛ وقد بطل الكل، فللسائل أن يقول: وراء هذا صفة لم تطلع عليها، ولا يلزمني إظهارها. وإنما ينقطع عنه هذا النزاع، بحصر قاطع دائر بين النفي والإثبات- وذلك لا يلفى في الشرعيات- أو بحكاية إجماع على حصر العلل، وذلك لا يساعد إلا في مسئلة الربا: لأن العلماء قصدوا بالنظر الأصل، دون الفروع. وهو على خلاف سائر المسائل.
ولو أحوجناه إلى أن يتكلم على القوت والطعم والمالية، ويذكر فيها مسالك الترجيح والابطال- للزمه أن يتكلم على نفس الكيل، وما وجه إليه: من الالزامات؛ وأن يعد شرائط العلل؛ وأنه لا يناقض نصا ولا أصلا. إلى [٥٧ - ب] غير ذلك، ولا يستوعب في أول النوبة جميع المسئلة؛ وانخرم نظام التناوب في الجدال.
فطريق المعترض أن يتكلم على الكيل بالنقض وطرق الاعتراضات، أو يقابله بالطعم أو غيره من الصفات؛ ويكفيه ذكرها. وتكليفه الذكر- من غير دليل- أهون وأقطع للخصام من تكليف المعلل حصر سائر
[ ٣٨٦ ]
الصفات وسبرها وإبطالها؛ لأن الفوارق والعلامات لا استقلال بحصرها. فإن لم يعرف المعترض غيره، فالمعلل صادق في قوله: لا علامة سواه، وإن عرف غيره: فذكره هين حتى يتكلم عليه. ولو جوزنا [له] أن يضمر ولا يبدي، لانتهى الأمر إلى أن لا يضمر: وهو يدعى الإضمار والامتناع عن الذكر جدالا، وهو غير صادق فيه. وكان ذلك سؤالا لا منتهى له.
وعن هذا، قلنا: [لو ذكر اخالة الكيل مثلا]، فليس يلزمه أن يبين [نفي] اخالة الطعم والقوت أو يبطلهما؛ لأن ذلك يقطع نظام التناوب، ولأن ذلك [إتمام للنظر]، والتعليل لابتداء النظر لا لإتمامه، فدل أنه إذا لم يمكن إبطاله لعدم المناسبة، لوجوب القول بما لا يناسب- كما تقدم-: فلو سلم قوله: لا علامة إلا هذا، استقر قدمه، وإن كان كاذبا: فنبين كذبه بذكر الطعم وغيره حتى يجتزئ فهو أولى وأقرب إلى الاقحام والاجتزاء، من أن تكلفه السبر الذي
[ ٣٨٧ ]
لا [يتوصل إلى الوفاء] به. وحاصله يرجع إلى أنه لم يظهر لي. فإذا قبل منه بالآخرة [قوله]: لم يظهر لي إلا هذا، فليقبل [هذا] ابتداء، ولينبه على بلادته، وقصور نظره- بذكر الوصف الظاهر للخصم، حتى ينقطع.
فإن قال: لا علامة أولى من هذا؛ فلا يقال [له]: [لم قلت؟ أو] بم عرفت أنه لا علامة أولى من هذا؟ بل يقال: بم عرفت أن هذه العلامة أولى من علامة الطعم؟ حتى يلزمه الكلام عليه.
فإن قال: إنه لا يناسب. قيل له: والكيل لا ينسب. فكذلك يقاومه رتبة بعد رتبة، لينتظم ترتيب الجدال. ويبين أن هذا الوصف: هل سلم عن المعارضة بما هو أولى منه: فيعتمد، أو لم يسلم: فيطرح؟
فإن قيل: رجع حاصل استدلال المعلل إلى أن دليل صحة علامتي عجزك عن إظهار علامة [أخرى] أظهر منها؛ وهو راجع إلى
[ ٣٨٨ ]
أن دليل [صحة ما ذكره عجزه] عن [علامة] الإفساد. ولو فتح هذا الباب؛ فلقائل أن يقول: وراء هذا الجبل غزالة، [ودليل صحته عجزك عن الإفساد]. وجبريل [الآن] في السماء [الرابعة]، ودليل صحته عجزك عن الإفساد. والإنسان قد يعجز عن إفساد [ذلك]، ولا يكون دليلا.
قلنا: [نعم] إلى هذا يرجع؛ ونحن نقول: هذا فاسد، ولكن نذكر فساده؛ [فيقال: لا، بل ليس وراء هذا الجبل غزالة، ودليل صحة قولي عجزك عن إفساده]، وإذا صح قولي: فسد قولك. وجبريل ليس في السماء الرابعة بل في السابعة؛ ودليل ذلك عجزك عن إفساده. فهذا الطريق أقرب إلى إفحام الخصم، من الإصرار على بارد المطالبة، وصرفه إن كان الرجل مجازفا في قوله: لا علامة أولى مما ذكرته، ودليله عجزك عن إظهاره، وربما يكون صادقا ومعتمدا عليه؛ عرف ذلك بالبحث والعجز عن العثور على وجود وصف آخر أصلا، أو في وجود وصف آخر أولى منه. فيستقر قدمه، ويكون- في الابتداء- دليله على خطر الفساد:: بالمقابلة بما هو مثله، كما في المناسب.
[ ٣٨٩ ]