افترقت: بالإضافات، فلهذا استكرهنا عبارة الطرد والشبه: فإنه يوهم جنسين مختلفين، ولا اختلاف: إذ الطارد يزعم أنه شبه بين الفرع والأصل، بما ذكره من الوصف؛ وتسميته شبهًا -بهذا التأويل -صحيح، والمشبه يسمي: طاردًا، من حيث أنه أتي بوصف لا يناسب، وتسميته طاردًا -بهذا التأويل -صحيح.
فلم يكن [لفظ] الطرد والشبه إلا مشوشًا ومعميًا لمقصود الكلام؛ فوجب اطراحه والقول بأن الأوصاف تنقسم إلى [ما يناسب] وإلى [ما لا يناسب]؛ وغير المناسب ينقسم إلى ما يسلم عن المعارضة [٥٦ - أ] بعلامة هي أولى منه؛ فيصلح لاعتماد المجتهد [عليه] بعد البر؛ وإلى ما لا يسلم عن وصف هو أولى منه، وهذا ينقسم فمنه: ما يكون قرب وصف آخر معلومًا بالبديهة، [ومنه: ما يعلم بالنظر.
فما يعلم بعده، وقرب غيره، وكونه أولى منه بالديهة]-فهو: الطرد القبيح الذي لا يتصور أن يكون معول مجتهد.
وما يعلم كون غيره أولى منه بالتأمل، يتصور أن يختلف في العثور عليه المجتهدون بحسب اختلاف قرائحهم؛ فيسميه من لم يعثر على
[ ٣٧٤ ]
الأولى: شبهًا، ومن عثر على الأولى يسمي الآخر: طردًا.
فإن قيل: فهلا حددتم الوصف المعتمد -الذي عبر عنه فريق بالشبه -[بالوصف] الخاص، أو بالمقصود - كما قاله المعبرون - لتمييز الشبه عن الطرد؟
قلنا: لأن الخاص إضافة؛ فالشيء يكون خاصًا: بالإضافة إلى شيء، عامًا: بالإضافة إلى غيره، فالطعم خاص بالإضافة إلى المالية، عام بالإضافة إلى القوت، والقوت خاص بالإضافة إلى الطعم، عام بالإضافة إلى الذات المسمي باسم البر والتمر، والأخص غير مشروط بالاتفاق عند القائلين بالشبه؛ فإن الأخص في النقدين: النقدية؛ ولم يبطل الوزن بالإضافة إليه لأنه أعم: إذا لو بطل لذلك، لبطل الطعم بالإضافة إلى القوت: لأنه أعم.
وأما المقصود فليس يشترط في صحة التشبيه -عند المطلقين لهذه اللفظة -أن يقع التشبيه بالمقصود؛ وإنما يساعد ذلك في الربا، وقد يكون الشبه خلقيًا، وقد يكون حكميًا؛ فكيف يصح [حد الشبه] بهذا؟
فإن قيل: وهلا حددتموه بما حده به القاضي -﵁ -: من أنه الذي يغلب على الظن كونه في معنى الأصل؟
[ ٣٧٥ ]
قلنا: لا حجر في هذه العبارات؛ وهي حاوية للمقصود إجمالًا، ولكن لا بيان فيه، فلم يشكل إلا تمييز الوصف: الذي يغلب على الظن الاشتراك [فيه الاشتراك] في الحكم؛ عن الوصف: الذي لا يغلب -بحد فاصل، ومعيار صادق: نرتفع به المنازعات، وهذه عبارة متسعة تشمل جميع أنواع القياس.
ونحن الآن في طلب الوصف الذي يغلب، وتمييزه عما لا يغلب؛ أهو متميز [بذاته]؟ أم بالإضافة؟ فأقول: إذا كان الكل لا يناسب، فالتمييز: بالإضافة التي ذكرناها.
فإن قيل: فهلا حددتموه: بأنه الوصف الذي يوهم الاجتماع في مخيل مبهم هو مأخذ الحكم، كما قاله القاضي؟
قلنا: ولا حجر -أيضًا -في إطلاق هذه العبارة، لمن يبغي عبارة حاصرة؛ لا لمن يبغي كشفًا ووضوحًا، فإنا رأينا جملة من الأوصاف تذكر [في محافل ومجامع، تجمع أفاضل وأكابر]؛ فتختلف آراؤهم [وتتفرق أهواءهم] في أنها من الأوصاف التي توهم الاجتماع في المخيل: فتسمي شبهًا؛ أو لا توهم: فتسمي طردًا، فلم يتجنس هذا
[ ٣٧٦ ]
الوصف عندهم، ولم يتميز بعلامة يترفع معها النزاع، وإذا رد الأمر إلى ما يغلب [على الظن] أو ما يوهم؛ اختلف ذلك بالطباع والقرائح: على ما نشاهد ذلك من الفقهاء في المناظرات، وهي الخصومة الناشبة التي لا سبيل إلى قطعها.
فيقول القائل: طهارة حكمية، فتفتقر إلى النية كالتيمم؛ أو: عبادة يبطلها الحدث، فتفتقر إلى الموالاة كالصلاة؛ أو: عبادة مختلفة الأركان يستحب الترتيب في متماثلاتها، فيستحق في مختلفاتها قياسًا للوضوء على الصلاة.
ويقول في افتراض الفاتحة في الصلاة: عبادة ذات تحليل وتحريم، فيشترط في أركانها ما يتعدد سبعًا كالحجج.
فهذا وأمثاله يعرض على الجمع من الفقهاء، فلا يتفق رأي اثنين منهم في أن هذه [هل] تغلب على الظن، أو هل توهم الاجتماع؟ بل يقول فريق: الكل طرد، ويقول آخرون: الكل شبه، وتقول طائفة: ما ذكره في نية الطهارة تشبيه، لكثرة تكررها على اللسان، فهو مغلب؛ وما ذكره -من القياس على الحجج -فطرد، وما ذكره -من الترتيب والموالاة في الطهارة -فمعتدل؛ وهو محتمل لأن يقال: أنه طرد ولأن يقال: أن شبه، وكل ذلك لعدولهم عن المنهاج السديد
[ ٣٧٧ ]
[والصراط المستقيم]، وظنهم أن الفرق راجع إلى ذات هذه الأوصاف، هيهات هيهات، إنما افتراقها: لخفاء الأوصاف المقابلة لها مرة، ولجلائها [أخرى]، فقولنا: حكمية، يقابلها: أنها طهارة بالتراب والوضوء بالماء، وقولنا: يبطلها الحدث كالصلاة، يعارضها: أن الكلام لا يبطلها، بخلاف الصلاة، إلى أمثال لذلك لا نستقصيها، بل [نجتزي بالتنبيه لمن يفهمها ويعيها]، فهذه الأوصاف المتقابلة، كلها طرد غير مناسب كما ذكرناه في الربا، فطريق نصبها علامة وترجيح البعض منها على البعض -ما سبق، فإذا استنهج المجتهد الطريق [٥٦ - ب]، واستتم السبر والتحقيق، [وشاء الله التوفيق] يحصل بالآخرة على ظن [غالب مستقر: يتكل عليه، و] يطمئن إليه.
الطرف الثاني: الكلام في المعلل، فإن قيل: ما ذكر تموه سياق نظر المجتهد، فما الموظف على المجادل في ابتداء التعليل؟ وبماذا تنقطع عنه المطالبة؟ أيلزم أن يستوفي السبر ويبطل الصفات الفارقة بعد أن يحصرها؟ أم يكتفي منه بالاقتصار على ما أبداه، ويقال: على من ادعي بطلانه، إظهار ما يراه أولى أو مماثلًا له، حتى يتكلم عليه،
[ ٣٧٨ ]