في التخصيص والإخراج على ما يقع نادرًا بالإضافة إلى المستبقي، أو وجوب التخصيص بالمعنى المستنبط من غير النص، لا بالمعنى المفهوم من النص -كل ذلك خلف من الكلام: يطلقه من لا يُحيط بجميع أطراف النظر؛ فتصدى له صورة [حكم فيها] بقضية، فيحكم على الإطلاق بتلك القضية [لكل صورة. وذلك] يورث الضلال والجهل، ويعمى [عن] طرق الصواب والحق.
هذا كله فيما يستنبط من نص ورد مخصصًا أو معارضًا [بظاهره] أو بفهم من نفس النص المتصرف فيه بالتخصيص.
القسم الآخر: ما لا يستند [المعنى فيه] إلى نفس النص، ولا إلى معنى مستثار من حديث صريح] ١٧ - ب [في تخصيص النص؛ ولكن يستمد من قاعدة أخرى منفصلة عن مورد النص. فهو التخصيص بالقياس، المطلق في لسان الفقهاء.
مثاله ما روي عن النبي -ﷺ -: «أنه نهى عن بيع
[ ٩٢ ]
الكلب وثمنه» فاقتضى عمومه تحريم بيع كل كلب.
فأراد أبو حنيفة ﵀ إخراج كلب الصيد والماشية من عموم النهي، وقصر النهي على الكلب الذي لا منفعة فيه: مما يقتني إعجابًا بصورته، واستئناسا بمخالطته، وكذلك سائر الكلاب السلوقية التي لا منفعة فيها. ويستند في هذا التخصيص إلى القياس على سائر السباع والأموال؛ والجامع: أن الكلب مال منتفع به، فجاز بيعه كسائر الأموال، ومعناه: أن المال عبارة عن كل ما يتعلق به غرض الآدمي مما سوى الآدميين [الأحرار]. فبهذا الوصف يصير مالًا، وبه يصير قابلًا للبيع، هذا المعنى جار في الكلب.
فهذا قسم من التخصيص: يدور بين الرتبتين السابقتين؛ فلا يشترط فيه أن يكون المخرج نادرًا؛ فإن كلب الصيد والماشية لا يقع نادرًا في الذكر عند التعرض لبيع الكلب؛ بخلاف المعنى المستنبط بالنظر من نفس النص: فإنه لا يجرى -في غلب الأمر -إلا على إخراج ما يقع نادرًا بالإضافة إلى المذكور؛ ولا يحتمل فيه أن يكون المستبقى تحت اللفظ نادرًا: بحيث يفتقر في إرادته لعموم اللفظ، إلى قرينة قوية ظاهرة، ليخرج بها عند حد الإجمال بخلاف التخصيص بالنص المعارض
[ ٩٣ ]
بظاهره، أو بالمعنى المستنبط من النص المخصص للعموم. كما ذكرناه في النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة، وفي حديث الربا. فهذه مرتبة بين المرتبتين.
ونظر أبي حنيفة ليس ببعيد في مسئلة بيع الكلب لأمر يرجع إلى امتناع التخصيص، لأن الشارع ﵇ نهى عن اقتناء الكلب، وهو مقصور على ما يقتنى إعجابًا بصورته؛ فليس يبعد أن يكون هو المراد بتحريم البيع، كما أنه المراد بتحريم الاقتناء؛ إذ في تحريم اقتنائه إبطال الغرض المتعلق به، وإلحاق له بالخمر وما لا ينفع [به] شرعًا.
ولكن في الشافعي ﵀ يعترض على قياسه، ويبين أن للنجاسة تأثيرًا في منع البيع، عرف ذلك بالشرع؛ فيبطل قياسه به، ويمتنع التخصيص لبطلان القياس بنظر آخر وراء [ما ذكره].
[ ٩٤ ]
وليس ذلك الآن من غرضنا؛ وإنما الغرض التنبيه على هذه المراتب الثلاث. وليس في المقدور بيان آحاد الصور؛ وإنما القدر الممكن ضبط الأقسام الكلية. ثم كل قسم يندرج تحته صور كثيرة، تداني الدرجة الأولى من صورها الدرجة الأخيرة من القسم الذي قبله، وتقارب الدرجة الأخيرة من صورها الدرجة الأولى من القسم] ١٨ - أ [الذي بعده في الرتبة، فيثير ذلك نوعًا من الاشتباه والامتزاج. وقد يقع الشك في أصل الأقسام: بأن المعنى المفهوم من النص [أهو] من المعاني السابقة إلى الفهم، الصالحة لأن تكون قرينة معرفة للمعنى [مفسرة]؟ أو هو من المعاني المستنبطة بالفكر الذي يترتب استنباطها على فهم حكم اللفظ أولًا وتقريره؟
فكل ذلك إنما يستدرك بالقريحة الصافية، والفطنة المستقيمة. وفي مواقع تشابهها تختلف مسالك الناظرين، وتتباين طرق المجتهدين؛ ويختص [آحادها بدقائق، استدراكها] من شأن الناظر المجتهد في الفروع. وقد ينتهي الأمر فيها -لقدتها وخفائها -إلى منتهى يرجع إلى الحكم بالحدس، ووقوعٍ في النفس، يضيق عن التعبير عنها نطاق
[ ٩٥ ]