عند العجز. فأما مع ظهور المعنى المناسب، فلا يتحقق العجز؛ فيغلب على الظن أنه اتبع المعنى الذي ظهر.
فإن قيل: من تصرفات الشرع، ما لم يعقل معناه، ولم يطلع عليه، فيحتمل أن يكون هذا التصرف من جملته؛ ويكون المناسب قد اقترن به وفاقًا غير مقصود.
قلنا: هذا كلام من ينكر أصل القياس؛ فإن هذا السؤال يتطرق إلى الملائم، فلعله وقع وفاقًا وملحوظ الشرع معنى آخر خفي لم يطلع عليه، أو هو تحكم لا سبب له، وقد عضدوا هذا [٣٤ - أ] بأن قالوا: عرف [من] الشارع أن [من] تصرفاته تحكمات لا تعقل معانيها؛ إذ سوى بين مختلفات، وفرق بين متماثلات؛ كحكمه بجواز النظر إلى شعر الأمة، وتحريم النظر إلى شعرة الحرة، ولو لم ينص على تجويز النظر إلى شعر الأمة لقال الفقهاء: الأمة في معنى الحرة، والمعنى [المقتضي] للتحريم، خوف الفتنة، وهما سيان.
وقال بغسل الثوب من بول الصبية، وبرش [الماء] على بول الغلام، ولو ذكر أحدهما، واقتصر عليه -لألحق القائسون الجانب
[ ٢٠٠ ]
الآخر به.
إلى أمثال لذلك ضربوها، وهو وارد على جميع القياسين.
ووجه الانفصال؛ أن ذلك يجري من تصرفات الشرع مجرى [الشاذ] النادر. والغالب من عادته في التصرفات إتباع المعاني؛ والواقعة النادرة لا تقطع الغالب المستفاد من العادة المتكررة. كما أن من عرف من عادته المعاقبة على الإساءة، ففعل الإحسان منه مرة لا يقطع ظن الظان سلوكه مسلك الانتقام عند العود. وكذلك من رأى مركب الرئيس على باب السلطان، غلب على ظنه أنه في دار السلطان؛ وإن أمكن أن يكون المركب قد استعاره إنسان أو باعه بجميع آلته، أو أمسكه الركابي لغرض له وهو في دار أخرى. ولا يشوش هذا الظن عليه رؤيته ذلك مستعارًا مرة نادرة.
[ ٢٠١ ]
وكذلك: الغيم الركم الكدر في صميم الشتاء، يغلب على الظن استعقاب المطر؛ وإن كان الناظر قد عهد [في عمره] مرة أو مرتين الغيم الخالي عن المطر، على سبيل الندور.
وكذلك: إذا عرف أن عزيزًا من أعزة بيت قد أشرف على الموت. فسمع عند الاجتياز بباب الدار الصياح والصراخ [على الدأب المعتاد عند وفاة المحتضر]-غلب على الظن [أنه قد مات] وإن أمكن أن يكون سببه موت غيره فجاءة من غير مرض. وقد عهدت الفجاءة على الندور بالإضافة إلى المرض.
فبان أن الظن مع ما ذكروه حاصل؛ وقد ثبت بإجماع الصحابة إتباع الظن الغالب، ودلت عليه الأحاديث، حيث قال رسول الله -ﷺ - لعمر: «أرأيت لو تمضمضت [بماء] »؟ معناه: هلا عرفت هذا بنظيره؟. فلو قال له: ومن عادتك الفرق بين النظيرين، كما في شعر الأمة والحرة، وبول الصبي والصبية؛ لكان ذلك مستنكرًا.
وكذلك قوله -﵇: أرأيت لو كان على أبيك دين؟. فعلم
[ ٢٠٢ ]
أنه عرفهم تعرف الأحكام بالنظائر، والتناظر؛ والتساوي يعرف بالتناظر في المعنى لا بالصورة، فلا مضاهاة بين القبلة والمضمضة في الصورة، وإنما اشتراكهما في المعنى، وهو: أن كل واحد [منهما] مقدمة قضاء الشهوة، وليس فيه قضاء الشهوة.
فقد بان بطلان هذا الملك على منكري القياس [ولا خفاء ببطلان هذا السؤال من القائلين بالقياس]؛ إذ ينعكس عليهم في الملائم والمؤثر، ويقال لهم: بم تنكرون على من يقول: لعل الشارع خصص اعتبارهما بمحل النص تحكمًا: فلا تجوز تعديته؛ أو لعل المعنى وقع وفاقًا، والحكم تحكم أو له سبب آخر لا يعرف.
فإن قيل: التحكمات - التي لا تعقل معانيها - ليست نادرة، وأنتم بنيتم ما ذكرتموه على ندور التحكم بالإضافة إلى المعاني واتباعها.
قلنا: ما يتعلق من الأحكام بمصالح الخلق -: من المناكحات والمعاملات، والجنايات والضمانات؛ وما عدا العبادات - فالتحكم فيها نادر؛ وأما العبادات والمقدرات، فالتحكمات فيها غالبة، واتباع المعنى نادر.
لا جرم رأي الشافعي [فيه] الكف عن القياس في العبادات، إلا إذا ظهر المعنى ظهورًا: لا يبقى معه ريب؛ ولذلك لم يقس على التكبير
[ ٢٠٣ ]