حتى يترتب على وجودها الحكم في الفرع
فذهب ذاهبون: إلى أن إقامة الدليل على علة الأصل غير واجب. إذ [قد] تحقق صورة القياس بمجرد الجمع؛ والأصل أن كل وصف يذكر في الأصل علة، إلا أن يمنع [منه] مانع.
وهذا هذيان لا حاصل له: فإن الأصول تنقسم إلى ما يعلل، وإلى ما لا يعلل. ومع الاتفاق على صحة [تعليل حكم] الأصل، اتفقوا على صحة هذا الانقسام. فيحتمل أن لا يكون الأصل معللًا؛ [وأن كان معللًا: احتمل أن لا يكون معللًا] بهذا الوصف المذكور. فلابد من دليل يميز هذا الوصف عن سائر الأوصاف الموجود في الأصل، لينبني على الاشتراك فيه الاشتراك في الحكم.
فإذا تبين أن ذلك لابد منه، فكون الوصف علة لحكم الأصل -يعرف بمسالك:
المسلك الأول: النص في جهة الشارع، وذلك: بأن يأتي بصيغة
[ ٢٣ ]
التعليل، كقوله: العلة كذا، أو الأجل كذا، أو لسبب كذا؛ أو ما يقوم مقامه، ويفيد معناه. فهو صريح في التعليل [به] [وذلك] كقوله تعالى: ﴿كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾، وهذا صريح في التعليل [به]. [و] كقوله ﵇ في النهي عن لحوم الأضاحي: «إنما نهيتكم لأجل الدافة» وكقوله ﵇ في الأعرابي المحرم الذي وقصت به راحلته: لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا» وهو صريح في التعليل، ولذلك] ٦ - أ [نطرده في كل محرم سوى ذلك الأعرابي. ويبطل قول أبي حنيفة ﵀: إن ذلك [كان] من
[ ٢٤ ]
خصائص [ذلك] الأعرابي، إذ اطلع رسول الله ﷺ من حاله، على ما أخبر عنه، لنوع ورع وفضيلة اختصت به.
قلنا: ليس الأمر كذلك؛ إذ التخمير والتطييب مأمور به في حق الموتى، ومنهى عنه في حق المحرمين. والذي يسبق إلى الأفهام، أن الموت قاطع للإحرام، وإذا انتفى الإحرام رجع التخمير إلى الأصل المعهود؛ فنهى عن التخمير، وذكر أن علته بقاء الإحرام بعد الموت، فكان التخمير منهيا عنه: لبقاء علته؛ وعرف بقاء العلة [بقوله ﵇]: فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا» فإن [الإحرام باق بعد الموت شرعا. وعرف به أيضًا أنه] علل النهي ببقاء الإحرام، ونزل ذلك منزلة قوله -﵇في الشهداء: «زملوهم بكلومهم
[ ٢٥ ]
ودمائهم، فإنهم يحشرون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دما» فبين أن أثر الشهادة يبقى بعد الموت، وأن المنع من الغسل معلل بتضمنه إبطال أثر الشهادة.
وهذا القدر كاف في هذا القسم، فإن صرائح التعليل ليست مما يخفى.
ولما كانت العلة الشرعية معلومة بالشرع، ولم تنحصر الطرق الشرعية في البيان والتعريف على النصوص -بل من طرق التنبيهات، ومن طرقه الاستنباط والنظر -: جاز أن يعرف كون الشيء علة بتعريف الشرع بألفاظ وأفعال هي منبهة على العلة وإن لم يكن صريحا [به] وجاز أن يعرف بطرق النظر والاستنباط، كما أن الأحكام في أنفسها لما كانت شرعية: جاز معرفتها بجميع هذه الطرق، فنصب الشيء علة حكم من جهة الشرع، كما أن إثبات الحرمة والحل في فعل من الأفعال حكم [من جهة الشرع] فجاز أن تعرف بكل طريق تعرف به الأحكام.
* * *
[ ٢٦ ]