فتبين بهذا المثال: أنا ما دمنا نجد في المشروعات غنية، نكتفي بها، وندور عليها؛ فلا تتعداها بالمصلحة المتخيلة إلى ما عداها. بل نعلم أن مراسم الشرع - فيما أحاطت به - حاوية لجميع المصالح ومغزاها.
مثال آخر: فإن قال قائل: المصلحة داعية إلى الضرب بالتهم في السرقة والقتل وما يجري خفية وغيلة؛ فإن الجاني لا يقر على نفسه مختارا؛ وإقامة الحجج والبينات على الاختزال الجاري في ظلم الليل - ممتنع، وتعطيل الحقوق لا سبيل إليه. وقد رأى مالك ذلك. فما
[ ٢٢٨ ]
رأيكم فيه: ولا مصلحة أظهر من هذه؟ إن كان لكم رأي في اتباع المصالح، فتوافقونه عليه - وهو خلاف رأي الشافعي، أو تخالفونه، وفي المخالفة أبطال القاعدة التي مهدتموها في جواز اتباع المصالح؟.
قلنا: هذه المصلحة غير معمول بها [عندنا، وليس لأنا] لا نرى اتباع المصالح؛ ولكن: لأنها لم تسلم عن المعارضة بمصلحة تقابلها؛ فإن الأموال والنفوس معصومة؛ وعصمتها تقتضي الصون عن الضياع؛ وأن من عصمة النفوس أن لا يعاقب إلا جان؛ وإن الجناية تثبت بالحجة؛ وإذا انتفت الحجة: انتفت الجناية؛ وإذا انتفت الجناية: استحالت العقوبة. فكان - في المصير إليه - نوع آخر من الفساد: فإن المأخوذ بالسرقة قد يكون بريئا عن الجناية، فالهجوم على ضربه تفويت لحق عصمته من
[ ٢٢٩ ]
نفسه ناجزا، لأمر موهوم: يرجع حاصله إلى التشوف إلى تأكيد عصمة المال. فإن كانت مصلحة ذي المال في ضربه، رجاء أن يكون هو الجاني فيقر، فمصلحة المأخوذ: في الكف [عنه] وترك الأضرار به؛ وليس أحدهما - برعاية مصلحته - أولى من الآخر، فوجب الوقوف على جادة الشرع؛ في أن لا عقوبة إلا بجناية، ولا تظهر الجناية [في حقه] [مع الخفاء] إلا ببينة، كيف: وفيه مادة الفساد، وفتح لباب الدعوى على كل من يضمر المرء عليه حقدا. "ولو أعطى الناس بدعاويهم: لا دعى [قوم دماء قوم وأموالهم" كما قال النبي ﵇]؟
ولو قيل: أن من ظهرت عدالته لا يعاقب، وإنما [يعاقب متهم]
[ ٢٣٠ ]
بأمثال ذلك.
لقيل: وبم تعرف وجه التهمة، ولا سبيل إلى تصديق صاحب الحق فيه [٣٨ - أ]: فإنه في الدعوى متهم أيضا، والأغراض متطرقة إليه؟
فإن قيل: [إن] التهمة تثبت بكونه معروفا بالسرقة، وبما يعرف من حاله في الترداد على الموضع الذي جرت فيه السرقة، قبل ذلك الوقت أو بعده؛ أو ما يجري مجراه: من المخايل.
فنقول: يستحيل الهجوم على عقوبته بالسرقة السابقة: التي عرف بها، وعوقب عليها. ويستحيل أن يعاقب بما يتوهم عليه: من هذه السرقة المدعاة، فليس من ضرورة كل من سرق شيئًا، أنه يسرق أمثاله. وإن كان من ضرورته: فالزجر بالقطع عن السرقة، شرع: كي لا يسرق ثانيا بعد ما قطعت يمينه، ففيه أكمل مقنع في الزجر.
فالهجوم على عقوبته تعرض لحقه الناجز، بالتفويت لأمر هو موهوم.
ويعتضد هذا بأمر، وهو: أنا الجنايات قد كثرت في عهد الصحابة: من السرقة وغيرها؛ ولم ينقل عنهم قط إلا الحكم بالإقرار أو بالحجة أو باليمين. فأما العقوبة بالتهمة، فلم يصر إليه منهم صائر، مع كثرة الوقوع. وذلك يدل على أنهم فهموا - من موارد الشرع ومصادره - أن لله تعالى سرا في تضييق طريق الكشف عن الفواحش،
[ ٢٣١ ]
فقد قال ﵇: "من ارتكب شيئًا من هذه القاذورات، فليستتر بستر الله" وقال ﵇ - لمن كان يسأله عن السرقة -: "أسرقت؟ قال لا" وقال تعالى: ﴿إن الذين يحبونا، تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم﴾ وقضي الشرع: بأن الزنا لا يثبت إلا بأربعة عدول، يشهدون: أنهم رأوا ك منه ي ك منها كالمرود في المكحلة، وكيف يتصور أن يحضر أربعة من المزكين مشهدا تجري فيه الفاحشة، ويحدقون النظر إلى ملتقى الأليتين؟! وهل هذا الأسد لباب الإثبات، أو تضييق له، مع تعظيم أمر الجناية، بشرع العقوبة المتفاقمة فيها: كي ينزجر المتعبد عنها؛ مع إرسال الستر:
[ ٢٣٢ ]
بتضييق الأمر [عليه] في الإثبات على فاحشة.
وكيف لا يفهم هذا من الشرع: ولما شهد أبو بكرة مع عدلين على زنا المغيرة، وانتهى الأمر إلى الرابع، وكان يصرح بالشهادة - استماله عمر - ﵁ - بالقول اللين اللطيف، واستدرجه بحسن المنطق - حتى طرق إليه شبهة - وقال: "أرى وجها وسيما، وأتوسم سيماء الخير فيك× فما أراك تفضح رجلا من أصحاب النبي ﵇"؟
حتى قال: "رأيته مستلقيا على بطنها، ورجلاها تختلج كأنهما قضيبا خيزران" وحكى جميع ما شاهد من الحركات في وقت المباشر، فاستبشر [به] عمر، وأقام الحد على الشهود الثلاثة.
فعلم أنهم امتنعوا عن المؤاخذة بالتهم، التفاتا إلى المصلحة التي ذكرناها؛ وعلما بأن الشرع ينهي عن تحسس الفواحش، والسعي بالاستنطاق بها بالحيل.
[ ٢٣٣ ]