وقد نبه الرب تعالى على مقصود القصاص، بقوله:﴾ ولكم في القصاص حياة ﴿، ونبه على فساد الخمر، بقوله:﴾ أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ﴿. وهي من المضار والمحذورات في أمور الدنيا؛ وقد يقترن به أيضا مفسدة الدين.
و[قد] نبه على مصالح [الدين] في قوله في الصلاة:﴾ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴿. [وما يكف عن الفحشاء] فهو جامع لمصالح الدين، وقد تقترن به مصلحة الدنيا أيضا.
فجميع المناسبات ترجع إلى رعاية المقاصد. إلا أن المقاصد تنقسم مراتبها:
فمنها: ما يقع في محل الضرورات؛ ويلتحق بأذيالها ما هو تتمة وتكملة لها.
ومنها: ما يقع في رتبة الحاجات؛ ويلتحق بأذيالها ما هو كالتتمة والتكملة لها.
ومنها: ما يقع في رتبة التوسعة والتيسير الذي لا ترهق إليه ضرورة، ولا تمس إليه حاجة؛ ولكن تستفاد به رفاهية وسعة وسهولة؛
[ ١٦١ ]
فيكون لذلك- أيضا -مقصودا في [هذه] الشريعة السمحة السهلة الحنيفية. ويتعلق بأذيالها ولواحقها ما هو في حكم التحسين والتتمة لها. فتصير الرفاهية مهيأة بتكميلاتها.
وتختلف مراتب المناسبات في الظهور، باختلاف هذه المراتب:
فأعلاها ما يقع في مراتب الضرورات؛ كحفظ النفوس، [فأنه مقصود الشارع، وهو] من ضرورة الخلق، والعقول مشيرة إليه وقاضية به - لولا ورود الشرائع؛ وهو الذي لا يجوز انفكاك شرع عنه: عند من يقول بتحسين العقل وتقبيحه. ونحن وأن قلنا: أن الله﷾أن يفعل ما يشاء بعباده، وأنه لا يجب عليه [رعاية] الصلاح - فلا ننكر إشارة العقول إلى جهة المصالح والمفاسد، وتحذيرها المهالك، وترغيبها في جلب المنافع [والمقاصد] ولا ننكر أن الرسل ﵈ بعثوا لمصالح الخلق في الدين والدنيا: رحمة من الله على الخلق وفضلا؛ لا حتما ووجوبا عليه. قال الله تعالى:﴾ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴿، إلى غير ذلك: من الآيات الدالة عليه.
[ ١٦٢ ]
وإنما نبهنا على هذا القدر، كي لا ننسب إلى اعتقاد الاعتزال، ولا ينفر طبع المسترشد عن هذا الكلام: خيفة التضمخ بعقيدة مهجورة، يرسخ في نفوس أهل السنة تهجينها.
فليعتقد- على هذا التأويل- أن العقول ترشد إلى الزجر عن القتل بالقصاص.
فكل مناسبة يرجع حاصلها إلى رعاية مقصود- يقع ذلك المقصود في رتبة يشير العقل إلى حفظها، ولا يستغنى العقلاء عنها- فهو واقع في الرتبة القصوى في الظهور.
مثاله: إيجابنا القصاص بالمثقل محافظة على قاعدة الزجر [والردع] وإلحاقا للمثقل بالجارح.
ومن قبيلة قولنا: الأيدي تقطع باليد الواحدة، كما تقتل النفوس بالنفس، حسما لذريعة التوصل إلى الإهدار [٢٩ - أ] بالتعاون [اليسير الهين على أخدان الفساد وأقران السوء] فهذا فن واقع في الرتبة العليا
[ ١٦٣ ]
لا غبار على مناسبتها؛ فأن كان يعترض عليها: فمن طريق آخر لا من طريق المناسبة، وغرضنا ضرب [المثال] لبيان مراتب المناسبات.
ومن هذا الفن: تعليلنا تحريم شرب الخمر، بكونه مفسدًا للعقل الذي هو ملاك أمور الدنيا والدين. فهذا -أيضا- مما لا يجوز أن تنفك عنه عقول العقلاء، ولا أن يخلو عنه شرع مهد بساطة لرعاية مصلحة الخلق في الدين والدنيا؛ فلم تشتمل ملة قط على تحليل مسكر، وإن اشتملت على تحليل القدر الذي لا يسكر من جنس المسكر.
وكذلك القول في مقصود البضع [والمال] وما يقع على هذه الرتبة.
وأمثال اللواحق بهذه المراتب والتتمة لها، كقولنا: إن المماثلة مرعية في استيفاء القصاص؛ إذ عقل أن الزجر وتشفى الغيظ مقصود في أصل القتل مراعاته. وتمامه: في رعاية المماثلة في التنكيل بالقاتل المتعدى كما فعل، والإحراق إذا أحرق، والتغريق إذا غرق [وما يجري مجراه].
[ ١٦٤ ]
ومثاله أيضا في الخمر: تحريم اليسير لكونه داعيا إلى الكثير، ومحركا لعطش الشرب، وباعثا على الترقي إلى الحالة المطلوبة للنفوس: من الطرب والهزة؛ وتعديتنا ذلك إلى القليل من سائر المسكرات. فأصل المعنى فيه جلي، وهذا- لاتصاله به، ووقوعه موقع التضبيب والتثمير لذلك الأمر المهم المقصود- وقع ظاهرًا لا سبيل إلى إنكار مناسبته. [ورجع حاصل] هذه المناسبات إلى رعاية المقاصد.
أما مثال [المرتبة الثانية فإن] الواقع في محل الحاجة: تسليط الولي على تزويج [الصغير والتزويج من الصغيرة]، فإن نصب القوام على الطفل- لحضانته وصيانته، وإنفاق ماله عليه،
[ ١٦٥ ]
[وشراء الطعام له، واستئجار من يقوم بمصلحته]- واقع في محل الضرورة؛ لأن الحاجة إلى النفقة والحضانة [طبيعية] جبلية في حال الصغر؛ وفي الأعراض عنها [سعى في هلاك الصبيان كلهم، وفيه هلاك النفوس وانقطاع الجنس، فهذا يقع موقع الضرورة]، فأما تزويج الصغير، والتزويج منه- فلا ترهق إليه ضرورة، ولا تمس إليه حاجة ناجزة: من شهوة وتوفان؛ ولكن مصلحة المعيشة في العمر تنتظم بأمر النكاح، والاتصال بالعشائر، والتكثر بالأصهار؛ والخاطب الكفء والكريمة المرموقة إذا ظهر: فالمصلحة في تقييده قبل أن يفوت ولا يتفق الظفر بمثله، فيقع ذلك في محل الحاجة. فصارت غبطة الصبي ومصلحته المستغنى عنها مقصودًا من جهة الشرع، كضرورته التي لا غنية له عنها؛ وصار رعاية هذا المقصود مناسبًا، كرعاية المقصود الضروري [وما يجرى الضروري]؛ والتحق بتلك الرتبة.
[ ١٦٦ ]
ثم ما يجري مجرى التتمة لهذه الغبطة: كمراعاة الكفاءة، والمحافظة على مهر المثل- على ما اختلف العلماء في وجوبه- يلتحق في المناسبة بالأصل؛ لأنه كالتكملة والتتمة لرعاية هذه الغبطة، وإن كان الأصل الكلي من مقصود النكاح لا يفوت به.
فنحن نستعمل هذا المعنى في منع الولي من النقصان عن مهر المثل، وفي منعه من التزويج من غير كفء.
وأبو حنيفة وأن صحح النكاح من الأب من غير كفء، فليس يصححه لإنكار هذا المعنى. بل يقول: تفويض الأمر إلى رأي الأب- وهو غير متهم: لشفقته وأبوته- أولى؛ فلعله يتفطن لغبطة خفية؛ توازي غبطة الكفاءة وتزيد عليها.
فأصل المعنى لا سبيل إلى جحده، وهو يستعمل أصل المعنى في الثيب الصغيرة، ويقول: تزويجها من مصلحة المعيشة، فلا يعطل، وكذلك في اليتيمة التي ليس لها أب ولا جد، كما في غير اليتيمة، وكما في البكر؛ ويعلل بالصغر، ويبدي فيه وجه المناسبة [٢٩ - ب] كما ذكرناه.
[ ١٦٧ ]
وهو بين لا يعترض عليه من حيث القدح في هذه المناسبة؛ بل يعترض من وجه آخر. ويرجع منشأ النزاع إلى التردد في محل استعمال هذه المعاني، على ما نذكره في هذه المسائل.
ثم للشرع -في هذا الجنس- نوع تصرف -فلا ينبغي أن نغفل عنه- وهو: إدارة الحكم على أمارة المصلحة من غير تتبع وجه المصلحة؛ فإن مصلحة الصبي لحاجته إلى قوام، وحاجته لصغره وضعف عقله؛ وقد يقوى عقله عند مراهقة البلوغ؛ ولكن يقطع الشرع غمة الأشكال عن أطراف الأحوال، بإتباع الصغر الذي هو أمارة المصلحة [غالبا؛ فيدار الحكم مرة على عين المصلحة، وأخرى على أمارة المصلحة]. وكل ذلك من نظر الشرع. وفي إتباع الأمارة -أيضا- نوع مناسبة، وهو: عصر الوقوف على عين الحاجة؛ كما [أديرت الرخص] على السفر لا على عين المشقة، وأديرت الولاية على القرابة لا على الشفقة؛ فأنها لا يوقف عليها. وإنما الغرض التنبيه على مراتب المناسب، وأن حاصل جملتها يرجع إلى رعاية المقاصد؛ وأن المقصود قد يقع في محل الحاجة، وقد يقع في محل الضرورة؛ وقد يعلم كونها مقصودا من جهة الشرع على القطع، وقد يظن ذلك. [وكل ذلك] من طرق المناسبات.
[ ١٦٨ ]
المرتبة الثالثة: ما لا يرجع إلى ضرورة، ولا إلى حاجة؛ ولكن يقع موقع التحسين والتزيين، والتوسعة والتيسير؛ للمزايا والمراتب، ورعاية أحسن المناهج في العبادات والمعاملات، والحمل على مكارم الأخلاق، ومحاسن العادات.
ومثال ذلك: حكم الشرع بسلب العبد أهلية الشهادة، وليس إلى سلب أهليته حاجة ولا ضرورة. ولو قبلت شهادته في حال العدالة: [لكان ذلك] كقبول فتواه وروايته؛ ولكن: لما كان الرقيق نازل القدرة والرتبة، ضعيف الحال والمنزلة؛ بإثبات يد الاستيلاء [عليه] والتسخير؛ وكانت الشهادة ونفوذها على الغير منصبا عليا ومقاما سنيا- لم يكن ذلك لائقا بحاله.
فيفهم مقصود الشرع -في سلبه الأهلية- على هذا الوجه؛ ففيه نوع مناسبة تتميز عن قول القائل: أنه لا تقبل شهادته، لأنه لا تجب عليه الجمعة مثلا كالصبي؛ فإن سقوط التكليف بالجمعة لا ينبئ بحال عن سقوط أهلية الشهادة؛ بخلاف ما ذكرناه.
[ ١٦٩ ]
ولو قال قائل، هي ولاية: فلم يكن من أهلها كالولايات- قيل: ولم لم يكن من أهل الولايات، ولا ينسب لها؟ إلا أن تكفل شغل الخلق بولاية القضاء، وتكفل شغل الأولاد بأنواع التفقد- شغل شاغل: يستدعى فراغا واهتماما مصروفا إليه؛ والعبد مستغرق الأوقات بوظائف الخدمة. وهذا المعنى لا يطرد في الشهادة: فأنها كالرواية؛ إذ يرجع حاصلها إلى الأخبار عن المعلوم. ولو استقام التعليل بهذا النوع: لالتحق بالرتبة السابقة، كتعليل سلب الولاية [به].
وكذلك قيد الشرع صحة النكاح [بشرط] الشهادة؛ ولو صح على السبر تخيل مقصود الإثبات عند الجحود: لالتحق بالرتبة الثانية، ولوقع في مظان الحاجة، ولكن: ليس يستقيم الاستغناء عن الأشهاد على رضاء المرأة، مع أن النكاح لا يثبت إلا
[ ١٧٠ ]
عليها؛ فيتخيل [إذن] أن المقصود من حضور الشهود: تمييز النكاح بالإعلان [والإظهار] عن السفاح.
ثم مراتب الظهور تضطرب؛ فضبط الشرع ما فيه -من الحيط- بشهادة شخصين لهما أهلية الشهادة، حتى يكون للإظهار عليهما وقع. فهذا أمر لا حاجة إليه، وإنما يجرى التحسين للأمور.
وكذلك قيد النكاح بالولي؛ ولو أمكن تعليله بكون المرأة في منظنة الغباوة-[لقصور العقل والنظر] ووفور الشهوة، والمبادرة إلى سوء الاختيار، بأنواع الخداع والاغترار لوقع هذا [٣٠ - أ] المناسب في الرتبة السابقة، ولكن: لا يستتب ذلك في [سلب] عبارتها ولا في التزويج من الكفء، فيقال في تعليله: لو ثبت ذلك بنص مثلا: [لكان] اللائق بذوات المروءات الحياء والانزواء عن مباشرة النكاح، ففيه إظهار الشبق، والمجاهرة بالتشوف إلى الرجال؛ والشرع يحمل على محاسن الأخلاق؛ وفي مباشرتها النكاح بنفسها ما يناقض ذلك، فنقدر محاسن الأخلاق مقصودا من جهة الشرع، ونقدر الاستقلال مناقضا له، فيتراآى منه نوع من المناسبة.
[ ١٧١ ]