على الخوف. فصار حل الخلع ظاهرًا بالخوف.
وكل ذلك طريق الاحتمال. والكلام ظاهر في ربط الحكم بالوصف مطلقًا من غير واسطة، ومحتمل لهذه الجهات على موجب قيام الدليل عليها. وفيه تمام البيان الذي يتعلق بالإيماء إلى العلل والتنبيه عليها.
فإن قيل: فإذا كان الإيماء يدل على التعليل على وجه لا يحتمل التغيير، فهو إذن نص في أصل التعليل. فما الفرق بينه وبين التصريح بالتعليل، [وما جرى التصريح بالتعليل به تتطرق] إليه هذه الضروب من التصرفات؟
قلنا: لا فرق] ٢٠ - أ [بينهما في إفادة المعرفة، وإنما طريق التعريف هو المختلف [فيه]. وللتعريف طرق، من جملتها: النطق والتنصيص على المقصود بعبارة موضوعة له في الأصل. والتركيب في هذا الجنس يطابق المفردات، ولا يتجدد بالنظم إلا تركيب المفردات.
وللعرب وراء ذلك عادات في البيان وتعريف المقصود، دون التعلق بالعبارة الموضوعة في الأصل للدلالة عليه. [فالتعريف بالطرق] المعتادة في البيان كالتعريف بذكر الأسامي الموضوعة بإزاء المسميات.
فمن عاداتها: الحذف والإيجاز في بعض المواضع. كقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدةٌ من أيام
[ ١٠٦ ]
أخر﴾ فمعناه: «فأفطر فعدة»؛ فحذف ذلك إيجازًا، وحصل الفهم كما لو نطق به من غير فرق. وقال جل من قائل: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففديةٌ من صيام﴾ يعني: فحلق ففدية. وقال جل وعز: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى﴾، أي: فأردتم الإحلال. وقال جل من قائل: ﴿فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت﴾ يعني: فضرب [فانفجرت]. والفائدة في ذلك كله -عند الذكر وتركه -واحد.
[ومن عاداتها] في البيان؛ النبيه على الشيء بذكر نظيره، وضرب مثل فيه، دون التعرض له في نفسه. وهو في الإفادة كالتعرض له. كقوله تعالى: ﴿ولا يغتب بعضكم بعضًا، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا﴾ يعني: أنه محرم كأكل لحم الغير. وقوله ﷿ ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل﴾، الآية؛ عرف به تضعيف الحسنات في مقابلة الإنفاق، ونزل في الإفادة منزلة تصريحه في قوله ﷿:
[ ١٠٧ ]
﴿وما أتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون﴾.
ومن هذا الجنس، قوله ﵇: «لعن الله اليهود؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» نزل هذا في حقنا منزلة قوله: حرمت عليكم اتخاذ قبور الأنبياء مساجد»، ولكن عرف التحريم بذكر اللعن الذي هو موجبه، وعرف تعلق التحريم [بنا] بتعيير اليهود بذلك، وأن مثله يذكر في معرض التحذير في العادة.
[ومن الألفاظ] والأسامي ما يجري على لسان ذكرها ولا يكون مقصودًا، ويعرف ذلك [بجري العادة] في النظم. كقوله ﷺ: «من أعتق شركا له في عبد» و«أيما رجل مات أو أفلس» الحديث. فذكر العبد والرجل جرى وفاقًا، لا أثر له في
[ ١٠٨ ]
الحكم، ولكنه سابق إلى اللسان في عادة البيان، بتغليب الذكور -في الذكر -على النساء.
ويقرب من هذا الجنس، قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾. فخصص بالتحريم اللحم؛ والشحم والجلد وسائر أجزائه مفهومة منه؛ فنزل في البيان منزلة قوله: والخنزير، وحمل التخصيص فيه على عادة البيان، وهو: أن السابق إلى اللسان ما يعتاد أكله، وهو: اللحم.
فهذا ومثاله -من عادات البيان عند نظم الكلام يعرفها من ألفها ومارسها؛ وتبين به أن [التعريف بحكم] المسمى غير موقوف على النطق بالعبارة الموضوعة] ٢٠ - ب [له في أصل الوضع، ولا ينبغي أن يتعجب [الإنسان] من قولنا: إن الإيماء إلى الوصف الذي أضيف الحكم إليه، نص في اعتباره. وإن لم يكن ذلك نطقًا صريحًا.
هذا كله كلام منا في الدلالة على كون الوصف علة بالطرق النقلية، التصريحات منها والتنبيهات.
[ ١٠٩ ]