فإن قيل: فهل من فرق بين القياس والعلة؟
قلنا: نعم؛ فإن العلة في تصورها لا تستدعي أصلًا وفرعًا، ولكن إذا ذكرت السبب المؤثر في الحكم، فقد ذكرت [علة الحكم].
والعلة [في الأصل]: عبارة عما يتأثر المحل بوجوده، ولذلك سمي المرض: علة.
وهي في اصطلاح الفقهاء على هذا المذاق.
نعم: قد يسمى القياس علة، لأنه يشتمل على علة الحكم، وهي الركن الأعظم من مقصود القياس، كما يسمى القياس: نظرًا واجتهادًا ودليلًا واعتلالًا؛ لأنه يستدرك بالنظر والاجتهاد، ويدل على الحكم، ويشتمل على ذكر العلة: فيسمى اعتلالًا.
وتسمية العلة بمجردها قياسًا، لا وجه له. وإن تسامح بعض الفقهاء بإطلاقه، فذلك لتقسيمهم المسائل -في عرفهم - إلى الخبرية والقياسية؛ فما لا يتعلق منه بالخبر تسمى قياسية: لأن الغالب في المسائل التي ليس خبرية، فيعنون بكونه قياسا: أنه ليس خبريا.
فإن قيل: فهي من فرق بين الدلالة والعلة؟
قلنا: نعم؛ فكل علة يجوز أن تسمى دلالة، لأنها تدل على الحكم، فالمؤثر أبدًا يدل على الأثر. ولا تسمى كل دلالة علة، لأن الدلالة [قد] يعبر بها عن الأمارة التي توجب: فلا تؤثر، فالغيم
[ ٢٠ ]
الركم دليل على المطر وعلته أيضًا، لأنه يؤثر فيه. والكوكب دليل على القبلة، وليس علة فيها. فما للدلالة حظ في الإيجاب.
والعلة موجبة؛ أما العقلية فبذاتها، وأما الشرعية فبجعل الشرع إياها [علة] موجبة، على معنى إضافة الوجوب إليها، كإضافة وجوب القطع إلى السرقة، وإن كنا نعلم أنه إنما يجب بإيجاب الله تعالى؛ ولكن ينبغي أن نفهم الإيجاب كما ورد به الشرع، وقد ورد بأن السرقة توجب القطع، والزنا يوجب الرجم. ففي هذا تفترق الدلالة والعلة.
وسنتقصى [وجوه] الدلالات -التي ليست من قبيل الأقيسة، ولا من قبيل العلل -في الباب الثاني [إن شاء الله تعالى].
[ ٢١ ]