مثال القسم الأول- وهو المعلوم بالورود على الواقعة- ما روى أن أعرابيا قال لرسول الله ﷺ: هلكت وأهلكت، واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال: «أعتق رقبة». ففهم من مورد الشرع أمران، أحدهما: وجوب الكفارة على الأعرابي. والثاني: تعليقه بما صدر منه، وجعل الفعل الصادر منه موجبا.
ولم يكن هذا كورود الشرع بتحريم الخمر، وجريان الربا في البر، فإنه لا يفهم من مجرد وروده إلا الحكم في المحل المسمى، ولا يفهم تعليق الشرع إياه بمناط [الحكم ومتعلقه]، بل تستثار- بالاستنباط والنظر- علته ومتعلقه.
وفي مثالنا هذا، عرف الحكم على السائل، وعلم وراءه تعلقه بسبب، وهو الصادر منه. ثم الصادر منه مقيد بقيود، وواقع على [٦٠ - ب] أنواع خصوص؛ فالنظر في حذف تلك القيود أو اعتبارها- تداورا على ما عقل من مورد الشرع، وفهم كونه داخلا في الاقتصار والإيجاب- نظر واجب مقول به بالاتفاق. ولا يجوز أن يكون واقعا في رتبة الشبه المختلف فيه، بل لا يجد قياس إلى إنكار هذا الجنس، سبيلا.
[ ٤١٣ ]
ولذلك قاس [به] أبو حنيفة في إلحاق الأكل بالجماع، مع إنكاره القياس في الكفارات.
وقد عبر بعض الأصوليين- عن هذا الجنس- بالاستدلال على موضع الحكم، وزعم: أن ذلك لا يسمى قياسا، وسماه أبو زيد الدبوسي: دلالة الخطاب. وسماه فريق: قياس الشبه. وغرضنا أن نبين أنه [مقول به] بالاتفاق، وليس داخلا في قبيل الشبه الذي اختلف فيه المتقبلون للقياس.
وبيان هذا الجنس من التصرف بالمثال: أن الجماع في حق الأعرابي وقع على وجوه في الخصوص؛ إذ كان حرا بالغا ذكرا، فالحكم به في العبد والصبي والمرأة إذا جومعت- مأخوذ من النظر في تنقيح المناط.
وهو بالإضافة إلى المرأة- أيضا- تقيد بخصوص: إذ صادف آدمية حية أنثى منكوحة حرة. فالحكم به في الجماع المصادف للبهيمة، والميتة، والإتيان في غير المأتى من الرجال والنساء، وفي المملوكة التي ليست منكوحة، وفي المنكوحة الرقية، وفي الأجنبية المحرمة- مأخوذ من فهم المناط [وتنقيحه].
[ ٤١٤ ]
وهو بالإضافة إلى العبادة التي لاقاها وأفسدها، مقيد بكونه صوما فرضا أداء عن رمضان. فالحكم فيما ليس بصوم كالحج، وفي النفل في أداء صوم آخر، وفي القضاء- مأخوذ من فهم المناط.
وهو بالإضافة إلى نفسه- أعني الجماع- مخصوص بكونه إفطارا بمقصود، وهو قضاء شهوة الفرج. فالحكم في ابتلاع الحصاة وليس بمقصود، وفي الأكل وليس بقضاء شهوة الفرج- مأخوذ من النظر في فهم المناط.
فهذه وجوه من القيود والخصوص اتفقت [في الواقعة التي فيها الحكم]. وبعضها محذوف لا مدخل له في الاقتضاء، وبعضها معتبر، وبعضها مختلف [فيه، و] التدوار- في الإلغاء والإبقاء- على تأثيرات معقولة من مورد الشرع، ومناسبات مفهومة تترقى في رتبتها عن الشبه المقدم المختلف فيه، ولذلك لا يتصور الخلاف من القائسين، في [هذا] الجنس.
والضبط في هذا: أن ما عرف كونه مؤثرا أو مؤيدا لتأثير الأصلي، فلا يلغي، وما علم أنه لا مدخل له في اقتضاء الحكم، فيلغى
[ ٤١٥ ]
وبيانه: أن القيد في حق المجامع بالحرية والذكورة والبلوغ.
أما البلوغ فمراعى، فلو جامع الصبي في نهار رمضان وهو صائم، فلا كفارة عليه؛ لأنها- على الجملة- منوطة بنوع جناية على حق الله ﷿، على مذاق العقوبات، وقد بان من الشرع أثر الصبا في إسقاطه، فلا يلحق به الصبي.
وأما العبد، فيلحق به. وهو كالحر المعسر، لأنهما- في التكليف ووجوب عبادة الصوم- يستويان، ولم يعرف للرق تأثير في التسليط على إفساد العبادات.
وأما المرأة فملحقة عند أبي حنيفة- وهو أحد قولينا- بالرجل، وإن لم يتعرض لها رسول الله ﷺ، لأن كل عقوبة منوطة بالجماع، سوى الشرع فيها بين الرجل والمرأة. ونحن [قد] تفرق- على قول-: [لأنها ما] أفطرت بالجماع؛ أو لأن للأنوثة تأثيرا في إسقاط الغرامات المالية المتعلقة بالجماع: كالمهر، وثمن ماء الغسل، وغيره.
[ ٤١٦ ]
وأما القيود في حق المحل- وهو المرأة- فلا تأثير للحرية ولا للحل قطعا، فالأمة والأجنبية في معنى المنكوحة الحرة: إذ لم يعرف للنكاح وللحل مدخل في إيجاب الكفارة، فالتحق ذلك بالزمان المخصوص والمكان المخصوص، إذ لا مدخل لهذه الأوصاف في التأثير، ولا في تأييد المؤثر، إذ عقل أن الكفارة وجبت لنوع جناية [على حق الله تعالى] والجناية لا تتأثر بهذه الصفات، كما لا تتأثر بالزمان والمكان.
وأما جماع الميتة والبهيمة والإتيان في غير المأتى، فهو في محل النظر:
فالشافعي﵁- يوجب الكفارة؛ فإنه قضاء شهوة
[ ٤١٧ ]
بالجماع. بخلاف الإنزال بين [غضون السمن والأفخاذ]. فإن ذلك ليس جماعا.
وأبو حنيفة يقول: هذا يسمى جماعًا مجازًا، وليس المحل محل الشهوة في الأصل، إلا في حق المضطر. فلا تتعدى إليه الكفارات.
وأما قيود العبادة، فهي مرعية. فأما إفساد الحج بالجماع، فقد ورد نص بالواجب فيه، وأما القضاء والتطوع وغير صوم رمضان- فلا يلتحق به. إذ عرف من الشرع تعظيم هذا الشهر الحرام. فكان له تأثير في تفخيم الجناية وتفاحشها. فلم تحذف هذه القيود.
وأما الجماع نفسه، فقد ذهب مالك﵁- إلى حذف
[ ٤١٨ ]
قيوده، وأوجب بابتلاع الحصاة، وقال: الجناية من حيث كان إفسادا، والكل مفسد: موجب للقضاء مفوت لفضيلة الوقت.
وأبو حنيفة اعتبر كمال الإفطار بمقصود تتشوف النفس إليه [٦١ - أ] فإن هذه عقوبة بإزاء جناية، فتتأثر بما يؤثر في إثارة [باعثة] التشوف. فساعده عليه الشافعي﵁- وزاد، فاعتبر كونه جماعا: لأن توقان النفس إليه لا يسكن بمجرد وازع الشرع؛ وقد ظهر للجماع المحظور تمييز في الشرع عن غيره، إذا صادف الحج أو ملك الغير.
فهذه وجوه من التصرفات معقولة من مورد الشرع. إذ فهم أن الكفارة منوطة بنوع الجناية، وفهم مناسبتها وتأثيرها. فحكم التأثير في إلغاء القيود وإبقائها. فكان ذلك كلاما واضحا، ومسلكا في التصرف لائحا؛ مترقيا عن غموض الشبه المختلف فيه الذي قدمناه. فمن سماه شبها- على ذلك التأويل- فقد غلط. لأن وجه الغموض فيه: [في] انتهاض طلب علامة متعدية [بعد] تعرف الحكم باسمه في محله، والاستغناء عن طلب المناط. وفي هذا المقام فهم الحكم، وفهم معه ارتباط
[ ٤١٩ ]