التراب لوجوده غالبا، وهذا كالضعيف الذي لا يصلح للاعتماد عليه.
فهذا مساق هذه التصرفات؛ ومآخذها أمور معقولة من سياق الكلام، مفهومة من موارد الشرع. وليس من قبيل الشبه [المقدم ذكره] المختلف فيه بين الفقهاء والأصوليين.
مثال القسم الثالث- وهو: ما عرف مناط الحكم فيه بحدوث حكم عقيب أمر حادث؛ يعلم على الجملة أن الحادث موجبه، ثم ينظر في تنقيح قيوده-: كالحكم بلزوم الوضوء بخروج الخارج من السبيلين؛ وقد اختلف العلماء فيه:
فقال أبو حنيفة﵁- مناط الحكم خروج النجاسة؛ فألحق به الفصد والحجامة وكل نجاسة سالت، وقال: إحالة وجوب الطهارة على النجاسة- وقد عرف تأثيرها في الطهارة في محله- أولى من إحالته على المحل الذي منه ينفصل؛ فسائر أجزاء البدن وأعضائه له حكم واحد في الطهارة والنجاسة، فلا يعرف للمحل مدخل فيه.
وقال الشافعي﵁-: المعتبر خروج خارج من
[ ٤٢٨ ]
[المسلك] المعتاد، ولا يتبع [خروج] النجاسة؛ بل يجب بخروج الدود والريح وغيرهما. وتعلقه بالريح يدل على أنه لا تتبع النجاسة؛ وأن قدر اشتمال الهواء المنفصل بالريح على نجاسة، فيمكن تقدير ذلك في الريح الخارج من غير المسلك المعتاد، وفي الجشاء المتغير؛ ولا تتعلق به الطهارة بالإجماع. فكان المسلك المعتاد متبعا من حيث [أن] [سبب وجوب] الوضوء: الصلاة؛ ولكن جعلت الأحداث- التي تتكرر بالطبع على الدوام- مواقيت لها، فليس في معناها الفصد والحجامة؛ وفي معناها انفتاح ثقبة تحت المعدة مع انسداد المسلك المعتاد فإنه قائم مقامه.
وقال مالك﵁- بما ذكره الشافعي ﵁؛ وزاد عليه الاعتياد في الخارج، فلا ينتقض بالدم إذا خرج من السبيلين، وبما يندر: لأنه لا يتكرر بالطبع.
وأنكر الشافعي هذا: من حيث أنه رأى تتبع النجاسة والبحث عنها خبيثا قبيحا، مع اختلاف الطبائع، واختلاط العلل بالأمزجة.
[ ٤٢٩ ]
فأقام المحل مقام الخارج، فما يخرج من المحل المعتاد يلتحق بالخارج المعتاد كيفما كان.
فهذا منهم نظر في تنقيح المناط، ومدركه شواهد الشرع وإبقاء ما يقدر له أثر، وإلغاء ما لا يعقل له أثر.
وكذلك عفا الشرع عن قريب [من] مقدار درهم من النجاسة، على محل النجو. فقال أبو حنيفة﵁-: [عفى عنه] لقلته وقدره؛ فهذا القدر معفو عنه على سائر المواضع: إذ جميع البدن- في وجوب تطهيره، وملابسته للصلاة- على وتيرة.
وقال الشافعي﵁-: لهذا المحل اختصاص في تكرر نجاسته، ومسيس الحاجة إلى العفو والرخصة فيه؛ ولا يدرأ هذا قول أبي حنيفة﵁-: أن الواقف على شاطئ البحر جاز له
[ ٤٣٠ ]
الاقتصار على [قدر] الحجر؛ فتبين به أنه ليس في محل الرخصة، فإن تكرار الحاجة إلى الغسل على الدوام- هو السبب في العفو، وهو الذي فهمه الأولون، ولذلك اخترزوا عن رشاش النجاسة، وتساهلوا في الاستنجاء.
ومن هذا القبيل: طريان الخيار بعتق الأمة تحت العبد، فإنه تجدد بطريان حادث علم أنه متعلقه وموجب حدوثه، وهو- أيضا- متسع لوجه آخر، وهو: ورود الحكم مرتبا على واقعة؛ إذ عتقت بريرة، فخيرها رسول الله ﷺ. والنظر في هذه المسألة بتعيين مناط الحكم لا بتنقيحه؛ فإنه احتمل أن يكون سببه ملكها نفسها، فيطرد في الحرة. ويحتمل أن يكون سببه نقيصة الزوج وظهورها عند حدوث الحرية، فالنظر في ترجيح أحد المناطين بالسبر، والامتحان بشواهد الشرع، وبقوة المناسبة والتأثير.
والأمثلة السابقة وقع الاتفاق فيها على جملة، فانقسم الناظرون: إلى ن يضم الزيادة إلى المزيد، وإلى من يلغي الزيادة ويقتصر على الأصل: فسميناه تنقيحا. وفي هذا المثال تعدد المأخذ وتباين. وهو كالتنازع في أن الصغيرة زوجت لبكارتها أو لصغرها؛ فهما مناطان ليس
[ ٤٣١ ]
أحدهما مضمومًا إلى الآخر عند فريق. بل كل فريق يعتبر أحد المناطين. واعتبار النقيصة في الخيار أظهر تأثيرا؛ إذ لا تطرق لخيار التروي إلى النكاح؛ ولذلك إذا بلغت الصغيرة [لم] تتخير، فليس خيارها اعتراضا على ما سبق من العقد بالرد، بل هو لمستأنف الحال فيعتبر النقصان. وتأثير الصغر- في مسئلة التزويج- أظهر من حيث العموم؛ إذ ظهر أثره في المال، وفي أمور فارق فيها الصبي البالغ.
والشافعي﵁- يقول: للبكارة والثيابة تأثير في النكاح على الخصوص؛ ويشهد له أخبار وردت في إدارة أمر النكاح على الثيابة والبكارة.
والغرض: أن متعلق كل فريق- في مسئلة الصغيرة، وخيار الأمة- مناسب مطرد؛ والنظر في التعيين بالترجيح، وهو دليل على امتناع تعليل الحكم [٦٢ - ب] بعلتين، على ما سنذكره. فإن الجمع يمكن في المسئلتين، ولم يذهب إليه فريق. والمقصود من جميع هذه الأمثلة: أن مناط الحكم إذا صار معلوما [أما] على الجملة، أو على التفصيل- فالنظر في تنقيحه وتعيينه: بالتدوار على طلب التأثير. والمناسبة في
[ ٤٣٢ ]
الإلغاء والإبقاء ليس من باب الشبه المجتهد فيه، الذي قدمنا مثاله في علة الربا.
والعجب من بعض المصنفين في الأصول-: من أفاضل قدماء الأصحاب- أنه قال: إلحاق السفرجل بالبر برابطة الطعم، من قياس المعنى والعلة. وإلحاق النكاح الفاسد بالصحيح في أحكامه، من قياس الشبه؛ لدورانه بين الزنا والحلال، وغلبة الشبه الحلال.
ونحن نقول: الأمر على العكس. فأما قاعدة الربا فقد قدمناها. وأما النكاح الفاسد فالمتبع [فيه] في إثبات النسب والمصاهرة، والعدة، والمهر، وسقوط الحد- المعني. فإن الأصل أن المولود على فراش الرجل والمخلوق من مائه، منسوب إليه. وإنما قطع النسب بجناية الزنا وعدوانه؛ ولا عدوان من صاحب الظن. والمهر جيب بالتفويت وقد حصل. والمصاهرة تتبع النسب؛ وإذا ثبت النسب: فلابد من صون الماء- عن الخلط- بالعدة. وأما الحد فيسقط بالشبهة، فكيف لا يسقط عمن لا يوصف بالمعصية؟
نعم: لو عبر معبر عن هذه المعاني: بالشبه، وعما تقدم في الربا: بالمعنى؛ وأفسد هذه المعاني في النكاح الفاسد- ليضطر إلى الأخذ من مجرد الشبه- فلا يبعد شيء من ذلك، بعد الوقوف على المقاصد التي نبهنا عليها.
[وظني] أنه لا يبقى- بعد هذا التقرير والتفصيل والتمثيل-
[ ٤٣٣ ]
أشكال في قواعد الشبه والطرد والمخيل، على كل من أتقن هذه القواعد، وأمعن النظر فيها بعين الإنصاف. وسنأتي على بقية البيان [في الطرد والشبه والمخيل].-[إن بقى منه شيء في الإمكان]- في [باب] بيان القياس على المعدول عن سنن القياس، إن شاء الله ﷿.
* * *
[ ٤٣٤ ]