الحكم، وهو- على التحقيق- راجع إلى تتمة المقدمة الأولى. وهو الاشتراك في السبب. فإن كانت المقدمتان معلومتين: لم تختلف فيه القرائح، وعبر عنه: بأنه في معنى الأصل. وإن كانتا مظنونتين: أمكن تقرير النزاع فيه. ومن عرف هذه الحقائق فلا حرج عليه في إطلاق العبارات.
مثال القسم الثاني- وهو: ما عرف كونه مناطا بالإضافة اللفظية- كقوله ﵇: «من أعتق شركا له في عبد قوم عليه الباقي». فهذا بطريق الترتيب بصيغة الجزاء والشرط. وقوله ﵇: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبعا إحداهن بالتراب» وهذا من طريق الترتيب بفاء التعقيب، وهو- أيضا- للتسبيب. فقد علم- على الجملة- بمجرد سماع الحديث الأول أن إعتاق أحد الشريكين نصيبه سبب للسراية إلى الباقي، وأنه موجب له ومناط لحكمه، وإنما النظر: في تنقيح المناط بإلغاء قيود وإبقائها.
ففي قوله: أعتق «قيد عن البيع والطلاق وسائر التصرفات، وفي قوله: شركا» قيد عن نصف العبد المستخلص، والبعض المعتق من العبد.
[ ٤٢٢ ]
[وفي قوله: له» قيد عن إعتاقه ملك الغير]. وفي قوله: من عبد قيد عن الأمة.
فأما قيد العتق فمرعى؛ فمن باع شركا له في عبد: لا يسري إلى الباقي ولا يقوم عليه؛ إذ عرف بالشرع نوع قوة وغلبة المعتق لم تعرف للبيع؛ ولذلك يستدعى البيع شرائط يفسد بفواتها، ويفسد بزيادة شرط فاسد، إلى غير ذلك من الأمور، فلم يلغ هذا القيد.
نعم: لو ألحق به طلاق البعض وحكم بسرايته، فله وجه: لأن الطلاق والعتاق قريبان [٦١ - ب] في الشرع: في القوة والنفوذ وقبول التعليق بالاغرار وغيره فيظهر تساويهما في عدم قبول التجزي.
وأما قوله: شركا فهو قيد عن نصف العبد المستخلص، وهو ملغي: فإن السراية إلى ملكة تلتحق بالسراية إلى ملك الغير بطريق الأولى، وجرى التقييد بالشرك للعادة.
وقوله: له قيد معتبر لا يلتحق به توجهه العتاق على نصيب الشريك، لأن ذلك يخرج العتق عن كونه عتقا: [فإنه] لا ينفذ بنفسه.
وأما قوله: من عبد» فقيد محذوف: لأن الأمة في السبب كالعبد؛
[ ٤٢٣ ]
ولا مدخل للأنوثة في تغيير ما يناط بالعتق والرق، وإنما جرى ذكر العبد وفاقا بسبقه إلى اللسان. كقوله ﵇: «أيما رجل مات أو أفلس، فصاحب المتاع أحق بمتاعه». والمعني بالرجل: الجنس. وكان إلغاء هذه القيود مستندا إلى فهم عادة البيان، إذ الفصيح قد يبين الجنس بذكر بعض الصور. كقول القائل مثلا: من باع ثوبا زال ملكه، وهو يريد به جميع الأمتعة: من الفرش والدار. ولكن نبه بالبعض على الكل. وبذكر واحد من الجملة على الجملة. فهذا ما يجزئا على إلغاء هذه القيود المصرح بها، مع [ما] تقدم: من الاشتراك في السبب، ورجوع الافتراق إلى ما يعرف أنه لا مدخل له [في الحكم]. وذلك قد يعلم كما ذكرناه. وقد يظن كقولنا في إعتاق البعض المعين. فإنا نقول: السبب- بعد التنقيح- هو: إعتاق بعض الرقيق، وهذا بعض، ولا أثر للشيوع؛ ولكن خروج الشيوع عن كونه داخلا في التأثير، مظنون غير معلوم.
والغرض أن المظنون والمعلوم من هذه الجملة، دائر على مراتب في النظر معقولة، تترقى عن لا شبه المختلف فيه. والمنكرون لذلك الجنس قائلون بهذا الفن، لا محالة.
فأما قوله ﵇ «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله»، فالولوغ مقيد عن الكروع وغيره. والكلب قيد عن سائر الحيوانات، حتى
[ ٤٢٤ ]
الخنزير، والإناء قيد عن الثوب وغيره. وقوله: فليغسله» قيد عن فعل آخر: من لفرك والتشميس وغيره؛ وقيد عن غسل غير صاحب الإناء. وقوله: سبعا» قيد عن سائر الأعداد سواه. وقوله: إحداهن بالتراب» قيد عن الصابون والأشنان وغيره.
فلينظر الناظر: كيف يتصرف في هذه القيود؟ فنقول: المعقول الجملي أو تغليظ الشرع نجاسة هذا الحيوان.
فأما الولوغ، ففي معناه الكروع: لأنه دل على نجاسة سؤره، وعرقه عند الشافعي﵁- في معنى لعابه، وأبو حنيفة لا يراه في معناه، ويرى هذا القيد مرعيا. وذلك: لتنازعهما في آن
[ ٤٢٥ ]
المعقول من الحديث نجاسة الكلب، أو نجاسة سؤره على الخصوص؟ وهذا أمر فهمي عقلي، وقد يستمد من [شواهد] الشرع. فعند الشافعي﵁- جرى ذكر الولوغ على الغالب، تنبيها على النجاسة المطلقة، كما جرى ذكر الإناء على الغالب: فإنه يغسل الثوب من لعابه اتفاقا، كما يغسل من ولوغه الإناء، فذكر الإناء تنبيه على الجنس: إذ العادة أن الكلب [إنما] يلغ في الأواني.
وأما تخصيص الكلب، [< فـ > لم يمكن الغاؤه]، وإلحاق سائر الحيوانات أو الحيوان الذي لا يؤكل لحمه، أو السباع [به]. فإن الكلب سبع وحيوان وغير مأكول اللحم وكلب؛ فكان لخصوص وصفه، أثر في التنجيس؛ عرف ذلك من شواهد الشرع: في تخصيصه بمزايد التغليظ والتشديد، فلم يلغ هذا القيد. نعم: ينقدح تردد في الخنزير؛ فإنه أخوه: في نظر الشرع، والأمر باجتنابها وتحريمها وتنجيسها، فيحتمل أن يقال: يغسل من [نجاسته سبعا]، فإنهما أخوان كالطلاق والعتاق. على ما ذكرناه في قضية السراية؛ فكأنا نعلل نجاسته بتغليظ أمره في الشرع؛
[ ٤٢٦ ]
ونلحق به الخنزير على رأي، وهو من قبيل القياس المناسب المستنبط، لا من قبيل المناط.
أما قوله: فليغسله» فلا يلتحق به الفرك والتشميس [ولا غيره]، لما عرف: من أثر الغسل في الشرع. ثم هو متناول للغسل بكل مائع؛ ولكنا نزيد قيدا: فنقيده بالغسل بالماء، لما عرف: من اختصاص الماء.
وكما أن ذكر بعض القيود بالعادة من جملة البيان، فإخلال البعض- أيضا- اتكالا على الفهم بالعادة- من جملة البيان.
فأما تقييده عن غسل غير صاحب الإناء، فساقط؛ فالمفهوم وجوب الإزالة [٦٢ - أ] ولكن ذكر صاحب الإناء على العادة.
وأما قوله: سبعا» فلا يقوم مقامه عدد آخر.
وأما قوله: بالتراب» فاختلف فيه؛ فمنهم من ألحق به الصابون والأشنان، وقال: المعقول مزيد تغليظ بجمع غير الماء إلى الماء، وذكر
[ ٤٢٧ ]