فإن قال قائل: رجع حاصل نظركم -في القاعدة السابقة -إلى أن الوصف الذي لا يناسب، يجوز أن يكون علامة على الحكم؛ وزعمتم: أنها علامة متضمنة لوجه المصلحة وملتزمة لها، وإن كان لا يطلع على وجه المصلحة، فما الفرق بين ذلك وبين الوصف الطردي الذي اتفق المحققون على رده، مع الاعتراف بأن كل واحد منهما ينفك عن المناسبة بنفسه وإنما يتوهم اشتماله على مناسبة خفية، وقضية مصلحية: غابت عنا، وما من وصف طردي إلا ويمكن أن تدعي فيه هذه القضية، فكيف يتميز عن الطرد المردود، مع الاستواء في هذه الخاصية؟
قلنا: هذه غمرة عظيمة خاض فيها فريق: فدرات رؤوسهم، وخارت عقولهم، ولم يحصلوا على طائل، فمن طلب ما لم يخلق، تعب ولم يرزق؛ فإنهم التمسوا فرقًا بين الطرد والشبه [بأمر] يرجع إلى تمييز أحدهما عن الآخر، بوصف [في] ذاته، وأنشئ، لا يتميز عن جنسه ومثله، بوصف يرجع إلى ذاته، وها نحن نكشف الغطاء عن هذا السر، ونقول:
الأحكام أنما تظهر -في حقنا -بعلامات منصوبة عليها؛ والعلامات للأحكام تنقسم: إلى الأسامي اللغوية، وإلى الأوصاف الزائدة على الأسامي.
فأما المسميات المعلومة بعلامة الأسامي فهي التي يقتصر فيها
[ ٣٦٩ ]
على مورد النص، ولا حاجة في بيانها إلى أطناب.
وأما المعلومات بعلامات زائدة على الأسامي، فهي التي يقال فيها: أنها قياسية، وتلك العلامات تنقسم: إلى ما يناسب الحكم في ذاتها، على ما أوضحنا معني المناسبة، وإلى ما لا يناسب، ويعرف كونه علامة بالطرق أنتي ذكرناها في علة الربا.
فما يناسب كله جنس واحد، يندرج تحته الشعب المنتشرة التي قدمناها.
وما لا يناسب -أيضًا- كله جنس واحد: من حيث الذات والنفس؛ وهو متناول لما سماه المسمون: شبهًا، ولما سموه: طردًا، أيضًا، فلا فرق بين الشبه والطرد، عند النظر إلى ذات الأوصاف التي لا تناسب الأحكام.
[فالكيل والقوت والطعم] كله طرد في لغة هؤلاء واصطلاحهم؛ وإن سموه شبهًا: فلا حرج في الإطلاق، وإنما الغرض بيان أن الوصف الذي لا يناسب جنس واحد بالنظر إلى ذاته، فطلب الفرق بتمييز البعض عن البعض بالجنسية، طلب لما لا ينال أبد الدهر.
فإن قال قائل: كيف تنكرون هذا الفرق: وأنتم مضطرون إلى الاعتراف بأن كل وصف من الأوصاف وجد مع الحكم، لا يجوز أن يعلل الحكم به، وأن يجعل علامة عليه، ويتبع في إثبات الحكم ونفه؛ بل هو منقسم: إلى ما يصلح الاعتماد، وإلى ما لا يصلح؟ فما الفيصل الفارق؟ وقد سامحناكم بحذف لفظ الطرد والشبه.
قلنا: نعم؛ الأوصاف التي لا تناسب -أيضًا -تنقسم [٥٥ - ب] إلى [ما تصلح للاعتماد عليها، وإلى ما لا تصلح]؛ كما أن المناسب أيضًا
[ ٣٧٠ ]