وهو أنواع ثلاثة ترجع جملتها إلى إتباع العلامات الجامعة، بعد قيام الدليل على وجوب طلب العلامة.
فقد ذكرنا أن لقياس الشبه عمادين، يترجمها قولنا في حكم الربا: [انه] لابد من طلب علامة، ولا علامة إلا الطعم. وأن منشأ غموض هذا الجنس من القياس، قولنا: لابد من طلب علامة؛ والخصم ينكر هذا الوجوب، ويقول: العلامة المعرفة: الاسم المذكور في النص، أو الحد المعلوم بالإجماع؛ وإنما وجوب التعدي عند العثور على علامة مناسبة.
فأما إذا سلمت المقدمة الأولى- وهو: أنه لابد من طلب علامة. فلا يسع لأحد من القائسين أن ينكر طريق السبر والترجيح، في تجاذب العلامات بعد حصرها بطريق الاجتهاد، إذا دل الدليل على وجوب إضافة الحكم إلى علامة زائدة على الاسم الخاص.
النوع الأول من ذلك: إتباع الشبه في جزاء الصيد من التمثيل بالنعم، كمصيرنا إلى أن في النعامة بدنة، وفي اليربوع جفرة، وفي الغزال عنزا، وفي الظبية شاة، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الضبع كبشا،
[ ٣٩٧ ]
وفي الأرنب عناقا، وفي الضب جديا [جمع الماء والشجر]؛ إلى غير ذلك.
فهذا وأجناسه عده عادون من جملة قياس الشبه؛ واستدلوا عليه [بصحة التشبيهات] بالصفات الخلقية؛ وهو خيال باطل، [وتمثيل مائل. إذ] قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم، فمن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل سن النعم﴾. فأوجب المثل وحصر في النعم، فكان طلب الوصف- الذي به تقع المماثلة- واجبًا بحكم النص. فسلمت المقدمة الأولى، وهي الغامضة من قياس الشبه، وإذا سلم ذلك فلا يمكن طلب المماثلة إلا بالخلقة، ولا تعويل إلا على المماثلة في الصغر والكبر؛ فإن الصيد والنعم لا يتماثلان في الألوان والصفات والعادات؛ فصار النظر في تعيين الصفات التي إليها النظر في المماثلة- واقعا من جملة النظر في المقدمة الثانية؛ وذلك ضرورة كل [قابل للشرع] [وقائل به. ومثاله:] إيجاب الشرع مهر المثل. وتعرفنا ذلك بالنظر إلى مثل الموطؤة من نساء العشيرة؛
[ ٣٩٨ ]
وإنما يعرف كون غيرها مثلا لها: بالجمال والورع، والصلاح والنسب، وجميع الصفات؛ [بنوع نظر].
وكذلك أوجب الشرع الكفاية في نفقة الولد، وقيس به الوالد؛ إذ قال ﵇ لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف»؛ وإنما تعرف كفاية الولد، بالنظر إلى مثله: في السن والصحة، والقوة والسلامة، وغير ذلك: من صفات تؤثر في الحاجة إلى الطعام.
ويلتحق بهذه الجملة معرفة القيم [المختلفات]؛ فإنها تعرف بالقياس إلى الأشباه والأمثال والنظائر. وتقدير كفاية الولد [بما ظهر] بالاجتهاد في النظر إلى المثل، أظهر من قياس الوالد على الولد، مع أن اعتباره [به] برابطة البعضية، يلتحق بالأقيسة المناسبة.
فإذا كان هذا القياس أجلى من المؤثر، فكيف يدرج في غمار الشبه الضعيف [الذي قدمناه؟] أو كيف يستدل به على صحة الشبه الضعيف؟ فكل صفة تبعدنا بطلبها، فطلبها بالسبر والحصر والترجيح والاجتهاد حتم لا يسع [لأحد] خلافه. ولهذا نقل عن أبي هاشم
[ ٣٩٩ ]
- هو من منكري القياس- القول بإتباع الشبه في مسئلة جزاء الصيد، متعللا؛ بأن ذلك منصوص عليه. فبان بذلك أن هذه رتبة علية في الاجتهاد؛ وسببه: ثبوت المقدمة الأولى بالنقل؛ وهو منشأ الغموض في قيس الشبه.
فإن قيل: احتمل أن يكون المعنى بالآية المثل من النعم في القيمة؛ وهو أن يشتري بقيمته مثله من النعم.
قلنا: إن كان هذا هو المراد، فرعاية المماثلة وإيجاب [٥٩ - أ] المثل من النعم أصلا بالشبه الخلقي- باطل قطعا؛ فإن كان المراد منه ما ذكرناه: فإيجاب القيمة باطل قطعا، أما النظر في أن المراد منه ماذا؟ [ف] طريقه طريق التأويل والتصرف في الألفاظ. وقد صح لنا- بعمل الصحابة وأفضيتهم في بلاد مختلفة، وأوقات متفاوتة، بمثل ما حكمنا به- أنهم فهموا من الآية ما ذكرناه.
وغرضنا أنه إن بان [أن المراد] تلك المقدمة، لم يكن هذا من القياس؛ وإن لم يتبين: فليس طلبه من الآية على مذاق مأخذ وجوب
[ ٤٠٠ ]