نورد [هذه] الأمثلة: للكشف عن مقاصد القاعدة، وشروطها، وحدودها.
مثال آخر: فإن قال قائل: نقل: "إن بعض أكابر العلماء دخل على بعض السلاطين، فسأله عن الوقاع في نهار رمضان، فقال: عليك صوم شهرين متتابعين؛ فلما خرج راجعه بعض الفقهاء، وقال: القادر على إعتاق رقبة كيف يعدل إلى صوم شهرين، والصوم وظيفة المعسرين؛ وهذا الملك يملك عبيدا غير محصورين؟ فقال: لو قلت له: عليك إعتاق رقبة، لاستحقر ذلك، ولأعتق عبيدا، وواقع مرارًا؛ [فلا يزجره إعتاق الرقبة، ويزجره صوم شهرين متتابعين] ". فما قولكم في اتباع مثل هذه المصلحة، مع العلم بأن الكفارة مقصودها الزجر؛ [وإنما ينزجر الملك بالصوم لا بالعتق]؟ [٣٦ - ب].
قلنا: هذا [عندنا] خروج عن الشرع [بالكلية] وانسلال عن ربقة الدين، وهو متداع إلى هدم قواعد الشرع وتحريف
[ ٢١٩ ]
حدودها وقيودها، وتغيير ذلك بالأشخاص والأزمنة والأحوال؛ والحكم في جميعها على مخالفة النص بموجب الاستصلاح؛ [وذلك أمر باطل على القطع]. وهذا ما عنيناه بقولنا: "إن اتباع المصالح على مناقضة النص باطل"، وهذا من ذلك الفن. وإنما تطلب الأحكام من مصالح تجانس مصالح الشرع: إذا فقدنا تنصيص الشرع على الحكم، فأما إذا صادفناه، فالاستصلاحات وتصرفات الخواطر معزولة مع النصوص، فإذا نص الشارع على أمر: وجب مراعاته، فإن فقد النص: تشوفنا إلى دلاك علة المنصوص، وإثبات الحكم بها. فإن عجزنا: تشوفنا إلى مصالح تضاهي جنس مصالح الشرع.
فأما ما تخيله هذا المفتي - من الزجر - ففاسد، وطريق زجر مثله: أن نبين له أن الكفارات [ليست] ممحقات للذنوب، فإن تراب الأرض [لو انقلب] ذهبا، لو أنفقه: لم يقابل جريمته في هتك حرمة شهر الله تعالى المعظم، وهلم جرا، إلى بيان ما يتعرض له: من سخط الله تعالى ولائمته.
ولو ذهبنا [نكذب المملوك] على حسب استصلاحهم: ارتقابا لعلاجهم؛ لشوشنا الشريعة، ولم نثق بتحصيل النجح منهم، ولا نتبذ إلى
[ ٢٢٠ ]