والملائم مؤثرًا وتسميه المؤثر مناسبًا وملائمًا] متجة. فكان ماجعل عله للحكم، فإنما جعل علة: لأن الشارع جعله علة؛ لا مناسبته [؛ ولكن المناسبه قد تكون تعريفًا وتنبيهًا على جعل الشرع اياه علة - عند بعض العلماء. وما عرف جعل الشرع] اياه [علة، فقد عرف تأثيره: إذ لا معنى للتأثير إلا حصول الحكم من أثره وبسببه.
ولكن: لما انقست المعاني ثلاثه أقسام، أحببنا أن نفرد كل قسم - على حسب اصطلاح الفقهاء - بعبارة معرفه. وإنما الغرض تعريف وجه التميز والإنقسام. ثم إذا عرفت: فلتتخذ هذه العبارات أعلامًا معرفه لها. فالعبارات هي التي تتبع المعاني وتُسوى عليها؛ فأما تسويه المعاني على العبارات- فهو من دواعي الخَبَط، وجوالب الضلال. فنقول: هذه المراتب تتبين بضرب الأمثلة:
أما المؤثر، فقد ذكرنا مثاله.
وأما المناسب، فمثاله: تحريم الخمر، فأنه يظهر تعليله بكونه مسكرًا مزيلًا للعقل، حتى يقاس عليه النبيد. ولكن فى الكتاب تعرض للتعليل بهذا المعنى؛ فهو- من هذا الوجه- يلتحق بالمؤثر؛ إذ ظهر بالنص تأثير هذا الوصف: حيث نبَّه على إثارته العداوة والبغضاء، ولكن:
[ ١٤٥ ]
لو لم يكن فى القرآن التعرض لهذا، واقتصر عى ذكر التحريم على تجرده - لكان تعليله بالإسكار وإزالة العقل: تعليلًا بكلام مناسب. ومعنى مناسبته: استدعاء هذا المعنى من وجة المصلحه هذا الحكم، واقتضاؤه له. فإن العقل ملاك أمور الدين والدنيا. فبقاؤه مقصود، وتفويته مفسده. فحرم لما فيه: من الإفضاء الى الفسده.
وهذا كلام جلى معقول يمكن إثباته على الخصم. فأين هذا من قول أبى زيد: أنه يرجع الى قبول القلب، وطمأنينه النفس؟. ولا نشك في تمييز هذا عن قول القائل: أنه حرم لرائحته الفائحة المخصومه، أو لحمرته، إذ لا تناسب الحمرة التحريم، ولاتستدعيه، ولا تتقاضاه عقلًا. وهذا يتقاضى التحريم لما ذكرناه؛ فتميز عن الطرد بالمناسبه العقليه بين المعنى وبين الحكم.
وتميزه عن المؤثر، بأن يقال: لم يعهد قط في الشرع، في موضع آخر- لا بالنص، ولا بالإجماع- كون الإسكار مؤثرًا فى التحريم، حتى يكون التعليل به تعليلًا] بمعنى [عرف تأثيره، ولنقدر عدم انباء النص التعليل بهذه العله، حتى يستدَّ التمثيل، وينقطع عن المؤثر، فإن المستدل بالمناسبه يدعى الإستغناء عن النص وإيمانه ودلالة الإجماع على كونه مؤثرًا؛ ويزعم: أن المناسبه كافية في التعريف، على ما سنذكر وجه حصول المعرفه بها.
وكذلك إذا قلنا: إن الجماعة قتلوا بالواحد، كيلا يتخذ الظلمة
[ ١٤٦ ]
الاستعانه ذريعة إلى قتل الأعداء-كان ذلك تعليلًا بمخيل مناسب ظهر وجه استدعائه للحكم، واقتضائه له في العقل. ولم يدل دليل على تأثيره: لا من جهة النص؛ ولا من جهة الإجماع. بخلاف التعليل بالصغر فإنه- مع المناسبه المعقولة - ظهر تأثيره في الولاية المالية، وولاية التزويج - في حق الأبن، بالإتفاق.
وكذلك إذا قلنا: حط قضاء الصلوات عن الحائض، لما فيه: من الحرج والمشقة والكُلفة مع تكرر الصلاه في اليوم والليله؛ بخلاف قضاء الصوم -كان] هذا [الكلام مناسبًا] ٢٦ - ب [مخيلًا، متميزًا عن تعليله: بأن الصوم يقضى لأنه لا تجب فية الطهاره مثلًا، بخلاف الصلاه. فإن هذا الفرق لايناسب، ولا ينسى عن الحكم في قضيه العقل بحال.
فهذا بيان المناسب. وليس يتميز عن المؤثر بذاته، وإنما يتميز عن المؤثر بأن ليس من جهة النص والإجماع دلالة على كونه علة، بل لا دلالة عليه سوى مناسبته. وما دل الإجماع على كونه عله] وسببًا]، قد يناسب: كالصفر يناسب الولاية، ومزيد
[ ١٤٧ ]
الاختصاص في القرابة يناسب الترجيح والتقديم، الى غير ذلك مما تقدم: من الأمثله. وقد لا يناسب: كخروج النطفة الطاهره، جُعل سببًا للغسل ولا يناسبه، وكذلك مس الذكر: يبعد تخيل المناسبة فيه.
هذا وجه تمييز المناسب عن المؤثر والطرد.
أما تمييزه عن الملائم، فوجهه: أن المناسب ينقسم إلى ما يلائم معاني الشرع، ويجانس تصرفاته فى ملاحظة المعاني. والى ما يكون غريبًا: لا يلفى له جنس.
فالذي ذهب اليه الجماهير: أن المناسب لا يكون علة الا بشرط الملائمه] كما سنذكره. ومنهم من اكتفى بمجرد المناسبة ولم يشترط الملائمة [، فكل مناسب عهد جنسه في تصرفات الشرع: فهو ملائم؛ وما لم يعهد جنسه: فهو المناسب الغريب الذى لا نظير له في تصرفات الشرع.
وهذا] الأن [مزله قدم؛ فقد يشتبه على الناظر الفرق بين الملائم والمؤثر، فيقول: المؤثر هو: الذي عهد في الشرع معتبرًا كما في الصغر؛ والملائم أيضًا كذلك. فما الفرق بين من شرط التأثير، وبين من شرط الملاءمه مع المناسبه؟
فنقول: الفرق بينهما: أن المؤثر هو: الذى ظهر تأثير، عينه في عين
[ ١٤٨ ]
الحكم المتنازع فيه - بالإجماع أو النص، في محل النزاع، أو غير محل النزاع. كقول الحنفي: إن الثيب الصغيرة تُزوج لصغرها؛ ويبين أن عين الصغر ظهر تأثير بالإجماع في الولاية في حق الأبن، وفي ولاية المال. فقد ظهر تأثير عين هذا المعنى فى عين هذا الحكم، في محل آخر غير محل النزاع؛ فعدى ذلك الحكم بعينه، وهو: الولاية بتلك العلة بعينها، وهي: الصغر - الى محل النزاع، وهو: الثيب الصغيرة. وأما الملائم، فتعنى به: أنه عهد جنسه مؤثرًا فى جنس ذلك الحكم، وإن لم يعهد عنه مؤثرًا فى عين ذلك الحكم - فى محل آخر. مثاله: أن سقوط قضاء الصلاه إذا علل بالحرج والكلفه، يعلم أنه من جنس معاني الشرع وملائم له، إذ ظهر - على الجمله - إسقاط] الشرع [جملة من التكاليف بأنواع] من [الكلفة: كما في السفر والمرض وغيره؛ ولم يظهر تأثيره عين المعنى فى عين الحكم، وإنما وزان المؤثر من] مثل [هذا الأصل: أن يأمر النبى ﵇
[ ١٤٩ ]
-مثلا- عائشة ﵂ بقضاء الصوم الفائت في أيام الحيض، وبترك القضاء فى الصلوات. فيقاس عليها سائر النساء. أو يحكم به في الحرة، فيقاس عليها الرقيقة. فينقدح أن يقال: ظهر تأثير الحيض فى إسقاط الصلاة في حق الحرة، فيعدى عين هذا الحكم لعين هذه العلة، الى الرقيقة.
وكذلك: إذا عللنا إنقطاع الولاية عن الثيب بالممارسة الحاصلة لها، وما تستفيده المرأه: من الاختبار والتمييز والإهتداء الى المقاصد؛ وعديناه الى الثيب الصغيرة- كان هذا مناسبًا ولكنه غريب. إذ يقال: ليس هذا من جنس تصرفات الشرع فى إثبات الولاية وقطعها، فنقول: هو من جنسه؛ إذ قال ﷿: "وابتلوا] ٢٧ - أ [اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح، فإن آنستم منهم رشدًا فأدفعوا اليهم أمواله".
فجعل ممارسه اليتيم في المال سببًا، فيصير ملائمًا. وهذه المناسبة مع الملاءمة في نهاية الضعف، وليس من غرضنا عينُ هذه
[ ١٥٠ ]
المسئلة؛ وإنما المقصود التمثيل لتعرف الجنس.
وكذلك إذا قلنا: قيد الشرع بيع الأشياء الأبعة فى الربا بثلاث شرائط، فكان ذلك معللًا بالطعم المنبئ عن الحرمة والعزة، فإن ما يعز ويحترم يضيق طريق تحصيله، وما يستهان به يتسع الأمر فيه، ويتساهل في أمره؛ فلا يضيق طريقه؛ لأن المضنون به عقلًا وشرعًا: ماظهرت الحاجة اليه، وعظمت حرمته بسببه، والتقييد بالشرائط سد لبعض المسالك؛ وسد بعض الطرق إلى شيء ضنه به.
فهذا نوع من الكلام: فيه ضرب مناسبة، ولكنه غريب يزعم] الخصم [أنه لا يلائم تصرفات الشرع، فنقول] لا [بل قيد الشرع إستحلال البضع بشروط: كالعوض والولى والشهادة؛ وميزه عن الأموال. فكان ذلك إظهارًا لشرف البضع، وتخصيصًا له بميزه الإعتناء، وكشفا عن خطره وحرمته، وإشارة إلى اَّن المال مبتذل بالإضافة اليه، وأنه مصون مضنون به بالإضافه الى المال. فقد التحق بما عهد جنسه في الشرع، فصار ملائمًا لتصرفاته.
[ ١٥١ ]
وطريق المعترض: أن يبين أن تقييد النكاح] بهذه الشروط [لم يكن بهذا الطريق، بل كان لحاجة البضع في الصون الى هذه الشروط؛ ولا حاجة في صون الأطعمه الى هذه الشروط، فيعترض بهذا الجنس، ويجاب عنه بطريقه. وغرضنا التمثيل.
وكذلك إذا قلنا: القليل الذي لا يسكر- من الأنبذة - محرم قياسًا على قليل الخمر؛ وعللنا تحريم قليل الخمر: بأنه داع الى الكثير؛ وأن الطباع تختلف، والقدر الذي يسكر كل شخص في كل حال لا ينضبط؛ فيحسب الباب بحكم المصلحة-كان هذا كلامًا مناسبًا: يستوى فيه النبيذ والخمر، وتظهر ملاءمته لتصرفات الشرع: بتحريم الشارع الخلوة بالأجنبية والنظر إليها، لأنه داع الى الزنا؛ وما يجرى مجراه: من تعميم الشرع] التحريم [على مقدمات المحظورات ودواعها؛ فيكون ملائمًا، ولا يكون مؤثرًا التأثير الذي غيناه فيما سبق؛ إذ لم يظهر تأثير عين انبعاث داعية الشرب، فى تحريم الشرب. ولا ظهر في مسئلة الربا تأثير عين الطعم وحرمته في اشتراط المماثلة والتقابض
[ ١٥٢ ]
والحلول؛ بل ظهر اعتبار جنس الحرمة، في جنس التقييد بالشروط.
فأن قيل: فما مثال المناسب [الغريب] الذي لا يلائم؟
قلنا: قل ما يتفق في المسائل أمثلته، فأن المعاني إذا ظهرت مناسبتها؛ فلا تنفك عن التفات الشرع إلى جنسها في غالب الأمر؛ والذي يظهر لنا الآن من أمثلتها أربعة:
المثال الأول: ما ذكرناه: من تعليل سقوط الإجبار عن الثيب بالممارسة. فهذا وأن عددناه في قسم الملائم، فهو- عندنا -من المناسب الغريب الذي لا نظير له.
وأما ابتلاء اليتيم في التصرف، فليس من هذا القبيل، وإنما مثاله: وطء الابن زوجته؛ وذلك لا يوجب قطع الإجبار عنه: إذا كان صغيرا. أو وزانه من الأموال: ما إذا تناول جنسا من الطعام وذاقه واستطابه أو استكرهه. وكل ذلك ساقط الأثر في قطع الإجبار، وإسقاط الولاية. وابتلاء اليتيم: لتعرف هدايته إلى المصالح، وانفكاكه عن داعية السفه والتبذير وغباوة الإسراف، والتصاون عن الغبن والخداع؛ حتى إذا عرف ذلك بامتحانه بالبيع والشراء، رد المال إليه بعد [٢٧ - ب] جريان البلوغ: الذي هو السبب الظاهر في قطع الولاية. فوزانه: أن تمتحن المرأة بانتقاء زوج من الأزواج للنكاح، وتراقب أحوالها في اقتراحات مصالح النكاح وما تقترح عليها؛ فننقاد [إلى] الإجابة إلى
[ ١٥٣ ]
ما تقتضيه المصلحة، ونستعصيى فيما ينافي الغبطة. ومثل ذلك لا عهد به في النكاح؛ وإلمام الزوج بها ليس من هذا الجنس بحال؛ وإنما وزانه: تناول الطعام وذوقه، ولبس الثوب، وركوب الدابة. فيبقى هذا نوعا غريبا من الكلام، [وهو- مع كونه غريبا -] ضعيف في نفسه. وكذلك تتفق المعاني الغريبة؛ فأن ما يظهر ويقوى لا ينعدم التفات الشرع إلى جنسه، في غالب الأمر.
المثال الثاني: تعليل الربا في المطعومات بعلة الطعم؛ فهو- أيضا -من المعاني الغريبة التي لا تلائم معاني الشرع. وما ذكرناه- من إظهار الملائمة بأمر البضع -ضعيف؛ لأن الخصم لا يسلم اشتراط الولي. نعم: قيد بالشهادة إما صونا له من الفوات بالجحود، أو تمييزا [له] عن السفاح الذي هو فاحشة. وليس في حسم طريق بيع البر بالبر متفاضلا، أو نسيئة، أو دون التقابض في المجلس - ما يصونه عن فوات هو متعرض له، أو يميزه [عن فاحشة] هو بصدد الانتباه بها؛ فلا مجانسة بينهما.
فيبقى ذلك معنى- أن سلم مناسبته -غريبا لا نظير له في الشرع.
والاعتماد في مسئلة الثيب الصغيرة، وإثبات الثيابة علة - على الإضافة اللفظية، المستفادة من قوله﵇ -: "الثيب أحق بنفسها من وليها". وفي مسئلة الربا، وإثبات الطعم علة - على قوله﵇ -: "لا تبيعوا
[ ١٥٤ ]
الطعام بالطعام"، على ما قررناه في كتاب "مآخذ الخلاف"، وكتاب "تحصين المآخذ" [وقد نبهنا على هذا المسلك الضعيف وطريق تقريره، في هذه الكتب].
المثال الثالث: تعليل بعض العلماء، حرمان القاتل عن الميراث، بمعارضته بنقيض قصده: في استعجال الحق قبل أوانه.
وهذا أن لم يستعمل في معرض العقاب على عدوانه، يكون فنًا غريبا من المعنى: لا يلفى له نظير.
وإذا قيل: القتل جناية، والحرمان عقوبة؛ فكان منوطا به لكونه جناية، وقطع عنه الصبي والمجنون - كان ذلك من قبيل التعليل بالمعنى الملائم؛ فأن تأثير الجنايات في العقوبات والتغليظات، معهود من دأب الشرع.
[ ١٥٥ ]
ولو ثبت معنى المعارضة بنقيض القصد للاستعجال، لكان تعليل [بعض] أصحابنا في تحريم الخل الحاصل من التخليل، بمعارضته بنقيض قصده في استعجاله - من جنس الملائم؛ إذ يصير معهود النظير في القتل، ولكن هذا المعنى- في القتل -غير ثابت ولا مستقيم على السبر والبحث ولا يسلم عن النقض. وغرضنا ضرب الأمثلة، لا أعيان هذه المسائل.
المثال الرابع للمناسب الغريب: تخصيص الوضوء في ترتيبه: بتقديم الوجه على اليدين، وذكر ممسوح بين مغسولين؛ حتى قال الشافعي ﵀؛ هذا تنبيه على كون الترتيب على هذا الوجه مقصودا؛ إذ لو لم يكن مقصودا: لم يكن هذا الترتيب. وتخصيصه بالذكر- مع إيقاع ممسوح بين مغسولين -أولى من جريانه على ترتيب الخلق: من البداية بالرأس، والانحدار إلى الوجه، والختم بالرجل. إلى غير ذلك: من وجوه الترتيب.
[ ١٥٦ ]
فيمنع الشافعي عن هذا الاستدلال، بأن يقال: سبب هذا الترتيب: تقديم الوجه [٢٨ - أ] لأنه أهم الأعضاء بتحصيل النظافة فيه؛ وتأخير الرجل: لأنه أحرى الأعضاء بالبعد من النظافة، لمخالطة التراب في نقل الأقدام، ومماسة الخف إلى غير ذلك؛ فتبقى اليد والرأس، فكان تقديم اليد أولى: إذ هو آلة التناول ويقع مكشوفا غالبا؛ والرأس في الغالب مستور بكور العمامة؛ ولذلك خفت وظيفته وهو: المسح.
فهذا فن من الكلام مناسب، يتميز عن قول القائل: قدم الوجه لأنه على شكل الاستدارة مثلا؛ إلى غير ذلك: من صفات خلقية تنبو عن الحكم.
إلا أن مثل هذه المعاني- وإن كانت مناسبة -فغير موثوق بها؛ إذ لم يثبت من [جهة] الشرع ملاحظة جنسها، ويتسع التقدير في أمثالها، ولا يضيق طريقها على أي وجه كان، فأنه لو ذكر الترتيب على عكس المعهود: لأمكن أن يعكس هذا المعنى، ولكان يقال: الوضوء للصلاة، والصلاة تقع بعده؛ فأخره غسل الوجه: لأنه أهم الأعضاء بالنظافة، ليكون العهد به- عند الاشتغال بالصلاة -أقرب؛ ولو ابتدأ بالرأس، ثم بالوجه، ثم باليد، ثم بالرجل: لأمكن أن يقال: سببه
[ ١٥٧ ]
ترتيب الخلقة؛ ولو قدم اليد لأمكن أن يقال: سببه تنظيف الآلة أولا حتى ينظف بها غيرها.
وأمثال هذه الخيالات يتسع طريقها، ولا يوثق بها.
نعم: هي صالحة في هذا المقام لدفع الاستدلال بالآية؛ فإن الآية ليس فيها صيغة تدل على وجوب الترتيب؛ وإنما يستند المستدل فيها إلى تخصيص البعض بالتقديم والتأخير، ويقول: إذا لم يكن له سبب، فسببه وجوب التقديم. فيقال: هذا إمكان تعلقت به، وهذه الإمكانات تعارضه؛ فتطرق إليه الاحتمال.
فهذا ما يعن من أمثلة المناسب الغريب، وقد يتطرق نظر إلى بعض هذه الأمثلة في إلحاقها بأجناسها. وغرضنا حاصل من تعريف الأجناس، ولا غرض في أعيان الأمثلة.
فتحصل أن المعاني المناسبة تنقسم: إلى [مؤثرة، وهي: التي ظهر اعتبار عينها] في عين الحكم المنظور فيه، وإلى ملائمة ليست مؤثرة، وهي: التي ظهر اعتبار جنسها في جنس ذلك الحكم، وإلى غريبة: لم يظهر في [في الشرع] اعتبار عينها، ولا اعتبار جنسها، وهي- مع ذلك -تناسب نوعا من المناسبة: تتميز به عن الطرد الذي ينبو عن الحكم نبوة: لا يتقاضاه، ولا يتعلق به. فهذا بيان تمييز الأجناس.
فأن قال قائل: ما ذكرتموه بيان انقسام المناسب - بالإضافة إلى ما يدل
[ ١٥٨ ]