المسلك الثاني: في إثبات العلل بالتنبيهات من [جهة] الشارع، ووجوهها مختلفة ومراتبها في إفادة الظن متقاربة، وإن كانت لا تنفك عن ضروب من التفاوت في الخفاء والجلاء؛ وهي أنواع:
النوع الأول منها: أن يرتب الحكم على الفعل بفاء التعقيب والتسبيب؛ فهو تنبيه على تعليل الحكم بالفعل الذي رتب عليه.
كقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾، وكقوله جل من قائل: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ وقوله تعالى: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا أو لا يستطع أن يمل هو فليممل وليه العدل﴾ وقوله ﵇: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له»، وقوله تعالى ﴿ومن لم يستطع منكم
[ ٢٧ ]
طولًا أن ينكح المحصنات المؤمنات، فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم] ٦ - ب [المؤمنات﴾، وقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماءً فيتمموا﴾ وقوله ﵇: «ملكت نفسك فاختاري» وقوله: «لعن الله اليهود: حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها».
فدل ذلك على أن القطع معلل بالسرقة، وأنها سببه. وأن سبب الوضوء الصلاة. وسبب تكفل الولي بإملاء الحق ضعف المولى عليه وسفهه وعجزه. وسبب ملك الموات الأحياء. وسبب إباحة نكاح الإماء العجز. وسبب جواز التيمم فقد الماء. [وسبب التخيير العتق. وسبب اللعنة أكلهم أثمان الشحوم].
[ ٢٨ ]
فكل ذلك تبنيه على إضافة الأحكام إلى الأسباب، ونصب الأسباب عللًا فيها، حتى يقال: تكفل الولي بالإملاء وإن ورد فيه التداين، فالحكم غير مقصور على التداين، بل يجرى في سائر التصرفات المتعللقة بالمصلحة، لتعدي العلة في أمثال ذلك.
ومن هذا القسم: دخول الفاء في كلام الراوي، كقوله: «زنا ماعز فرجم» و«سها رسول الله -ﷺفسجد»، و«رضخ يهودي رأس جارية فرضخ رسول الله ﷺ رأسه».
[ ٢٩ ]
تدل هذه الصيغة من الراوي، على أنه فهم الحكم، وفهم سببه أيضًا.
ولو لم يفهم كون الرجم موجب الزنا، وكون السجود موجب السهو، وكون الرضخ موجب الرضخ -: لما جاز له أن يروى على هذا الوجه، ولكان كلامه كقوله: أكل ماعز فرجم، وقام النبي ﵇ في الصلاة فسجد.
فإذا قيل له: كيف ذلك؟ قال: «أكل ماعز فرجم لا لأجل الأكل، ولكن لأجل الزنا. وسجد لا لأجل القيام، ولكن لأجل السهو. ولكن جرى الرجم والسجود عقيب الأكل والقيام، كما جرى عقيب الزنا والسهو».
فقال: هذا من هجر الكلام وألغازه. فالصيغة المذكورة موضوعة للتنبيه على التعليل، فاستعمالها لإرادة الجريان عقيبها من غير تعليل -خبط من الكلام لا يصدر إلا من [غرٍ] غبيٍ، أو ممن يؤتى عن حصرٍ وعيٍ.
فإن قيل: بم تنكرون على من يقول: مستند معرفة العلل المناسبة والإخالة والإشعار المعنوي، دون التنبيه اللفظي؛ وهذه الأسباب التي ذكرتموها جميعها مناسب لمسبباتها، ففهم التعليل لذلك، لا للتنبيه من جهة اللفظ؟
[ ٣٠ ]
قلنا: ليس الأمر كذلك. فإن هذه الصيغ للتعليل بالأسباب المذكورة وإن كانت الأسباب لا تخيل، وهذا كقوله ﵇: «من مس ذكره فليتوضأ» [فهو] تنبيه على تعليل الوضوء بالمس ونصبه سببًا فيه، وإن كان لا يخيل.
وكذلك إذا قال: من أكل شيئًا مما مسته النار فليتوضأ»، و«من قاء أو رعف أو أمذى فليتوضأ».
فكل ذلك لا مناسبة فيه: فإن الأكل والمس لا ينبئان عن الوضوء؛ بل خروج المذي من المنفذ لا يناسب غسل الوجه واليدين، فإنه غسل في غير محل النجاسة؛ ويفهم بالصيغة -من حيث التنبيه -
[ ٣١ ]