وحاصل ذلك يرجع إلى: تقسيم وسبر، وإبطال لبعض الأقسام، لتعيين ما بقى من الأقسام. وفيه نوع آخر، وهو: حصر لجملة [في] أقسام، وإبطال جميع الأقسام لإبطال الجملة.
وبرهان الخلف في القسم الأول، هو أن نقول: لو لم يكن كذا لكان كذا، وباطل أن يكون كذا. فثبت أنه كذا.
ومثاله أن نقول: لو انعقد بيع الغائب [٦٤ - ب]: لصح الزامه بصريح الإلزام، وباطل أن [يصح الإلزام] بصريح الإلزام، فباطل أن ينعقد [البيع]. وإذا بطل جانب الانعقاد، ثبت جانب الفساد.
وكذلك نقول: لو ملك المقارض الربح: لملك ربح الربح؛ وباطل أن يملك ربح الربح: لأن ذلك يؤدي إلى تفاوت في القسمة يخالف الإجماع، فبطل القول بالتمليك.
وهذا ينقسم إلى الدائر بين النفي والإثبات كما ذكرناه، وهو القوي البالغ: لأنه برهان في العقليات.
وإن لم يكن دائرا بين النفي والإثبات: فلا فائدة له في العقليات،
[ ٤٥١ ]
ولكن يفيد في الظنيات. كقولنا: لو لم يكن الطعم علة: لكانت العلة هي القوت أو الكيل أو المالية؛ وكل ذلك باطل: فثبت الطعم. وهذا -بعد وجوب التعليل -صالح للتعيين؛ ولكن الشك يتطرق إلى هذا الجنس في موضعين؛ أحدهما: في دعوى الحصر. والأخرى: في دعوى البطلان.
وإذا كان التقسيم دائرا بين النفي والإثبات -اتحد مظنة الشك، وهو: دعوى البطلان في أحد القسمين. ولذلك جرى التقسيم -الدائر بين النفي والإثبات -في العقليات. فنقول: لو لم يكن العالم حادثا: لكان قديما؛ ومحال أن يكون قديما؛ لأنه يلزم أن لا يتغير؛ فيثبت أنه حادث. إلى أمثال له كثيرة.
وإلى هذا البرهان يرجع ما لقبه فريق: بقياس العكس؛ ومثلوه بقول أبي حنيفة -﵁ -: لو لم يلزم الصوم بالاعتكاف، لما لزم بالنذر كالصلاة.
وزعم فريق: أن هذا باطل، لأنه: استدلال بالضد، وهذا الخيال
[ ٤٥٢ ]
فاسد لأنه راجع إلى برهان الخلف. وطريقه هو: أن الصوم لو لم يكن واجبا لما وجب عند النذر، وقد وجب عند النذر، فدل على أنه لازم.
فهو برهان خلف، ولكن يقال لصاحبه: لم قلت: أنه لو لم يكن لازما لما لزم بالنذر؟ [وأي بعد] في أن يكون النذر سببا؟. فننازعه في هذه الاستحالة. فيبين استحالته ويقول: لو لزم الصوم بالنذر في الاعتكاف: للزم الصلاة بالنذر. فيرجع إلى الاستدلال على الشيء [بنظيره] ومثله، إذ يقول: الصلاة في اللزوم بالنذر، وفي مناسبة الاعتكاف -مثل الصوم؛ [ولا تلزم] الصلاة بالنذر، فكيف يلزم الصوم؟
فيرجع حاصل الدليل إلى أن من نذر الصوم مع الاعتكاف: لزمه الصوم في الاعتكاف؛ فلا يخلو: أما أن يكون ذلك لاشتراط الصوم في الاعتكاف، أو كان للالتزام، مع اعتقاد أنه ليس شرطا؛ وباطل إحالته على الالتزام: إذ لو صلح الالتزام لإيجابه -مع
[ ٤٥٣ ]