ومثاله قولنا: بيع لا يفيد الملك، فلا ينعقد، أو نكاح لا يفيد الحل، فلا ينعقد. وقولنا: المقارض لو ملك الربح: لملك ربح الربح. فإنه نتيجته، فانتفاؤه يدل على انتفاء الملك. وقولنا: لو ملكه كاملا: لملكه ناقصا، ولما انحصر الخسران فيه. فلما انحصر فيه، دل أنه لم يملكه.
وكل ذلك راجع إلى الاستدلال على انتفاء الشيء بانتفاء نتيجته. وهو -بعد تسليم كونه نتيجة -لا خفاء بوجه دلالته.
والخاصية -أيضا -يمكن ردها إلى النتيجة، إذ يقال: استتباع الكسب والولد نتيجة الكتابة وموجبها، فوجوده يدل على وجود الكتابة الموجبة. وامتناع الأداء على الراحلة نتيجة الفرضية، فإنه إذا افترض كاملا: لم يؤد ناقصا؛ فعدم الامتناع يدل على انتفاء الفرضية. فإن أمكن تقدير خاصية الملازمة: ليس يجعل موجبا ولا موجبا، وكان لا ينفك عن الوصف الآخر -فالاستدلال بأحدهما على الآخر جائز، وهو زائد على الاستدلال بالموجب والموجب.
النوع الثالث: الاستدلال على الشيء بنظيره، كقولنا: من صح طلاقه صح ظهاره، ومن وجب عليه العشر والفطرة وجبت عليه الزكاة، والمخرج الذي لا ينقض القليل الخارج منه الوضوء، فكثيره -أيضا -لا ينقص الوضوء. إلى نظائر كثيرة له.
[ ٤٤٥ ]
وهذا -أيضا -يمكن تقريره بطريق الشبه، وبطريق الطرد والعكس، كما سبق في الوجه الأول من الطرد والعكس. ولكن ذكر الشافعي -﵁هذا بطريق الاستدلال على الشيء بنظيره.
ووجه دلالته: أن ما ثبت للشيء [فهو ثابت] لمساويه ومثله.
وهذا لا غموض فيه، وإنما الغموض في دعوى المماثلة، فالخصم لا يسلم أن الطلاق مثل الظهار، ولا أن العشر مثل الزكاة، ولا أن القليل النجس الخارج مثل الكثير [٦٤ - أ] فيقول: المثل المحقق هو: الذي يسد مسد الشيء، ويقوم مقامه، ويساويه في الصفات الجائرة والواجبة والمستحيلة، وذلك لا يمكن أن يدعى في أمثال هذه المسائل على الإطلاق؛ ولكن تعقل المماثلة بالإضافة والتشبيه إلى جهة معينة، كما يعقل أن الأنثى مثل الذكر بالإضافة [إلى] العتق والرق، فألحق أحدهما بالآخر: في سراية العتق، وفي تشطير الحد. ولا يمنع من هذه الدعوى مفارقته لها في ولاية النكاح، وانقطاع العبد عن الأمة في اجبار السيد، ولا مفارقة المرأة الرجل في الشهادة والإمامة وغيرهما. فإن ادعينا مماثلة الذكر للأنثى بالإضافة إلى الرق والعتق. وكما يدعى:
[ ٤٤٦ ]
أن العبد مثل الحر المعسر في الكفارة، وأن السرية مثل المنكوحة في لزوم الكفارة بمجمامعتها. فهذا معقول على القطع مع ما بينهما: من وجوه من المفارقة ترجع إلى تمييز النكاح عن التسري؛ ولكن بالإضافة إلى إفساد الصوم لا مفارقة. ولذلك جاز أن تتلاقى القواعد المتباينة الخواص، في قضايا جملية عامة.
فيقال: الصوم كالصلاة في النية، والبيع كالنكاح في الإيجاب والقبول، فيقاس البعض على البعض في هذه القضايا، وتمتنع دعوى المماثلة في أمور أخر هي الخواص.
فإذا تمهدت هذه المقدمة، اتجه للشافعي أن يقول: الظهار كالطلاق، معناه: [الظهار] كالطلاق بالإضافة إلى الكفر والإسلام؛ إذ كل واحد سبب تحريم في زوجته، ووجه منع الكفر الظهار: من حيث أنه يمنع تعلق خطاب الشرع عند أبي حنيفة، والتحريم حكم الشرع. فيقول الشافعي، تحريم الظهار في كونه خطاب الشرع
[ ٤٤٧ ]
كتحريم الطلاق؛ ولا خفاء بالمماثلة بالنسبة إلى الخطاب ومنع الكفر، فإذا لم يمنع تحريم الطلاق: لم يمنع ما هو مثله.
فهذا وجه الدلالة، فكأنه قدر للخصم مستندا، وقدر الطلاق نقضا عليه، وبنى عليه: أن الطلاق إذا لم يمتنع: [لم يمتنع] الظهار المماثل له في التحريم، بالإضافة إلى الخطاب وموانع الخطاب.
وهذا الدليل واضح، إلى أن يقول الخصم: الثابت بالظهار تحريم ينقطع بالكفارة، ولا تعقل الكفارة في حق الكافر؛ بخلاف الطلاق.
فيقول الشافعي: لا، بل تعقل الكفارة. وإن سلم أنه لا كفارة، فهذا امتناع قاطع [لامتناع] التحريم. إلى غير ذلك من طرق النظر في تلك المسئلة.
وكذلك يقول الشافعي -﵁إذا وجب العشر وزكاة
[ ٤٤٨ ]
الفطر، وجب سائر الزكوات، لأنهما: في كونهما عبادة، وفي مناسبة الصبا لهما بالقبول أو بالمنافاة -متساويان. فحسن دعوى التماثل بالإضافة إلى الخطاب. فإن الخصم يجعل الصبا مانعا من الخطاب بالعبادات.
فيقول الشافعي -﵁-: لو منع ذلك: لمنع العشر والفطرة؛ فإنهما عبادتان كالزكاة، وسائر العبادات المالية -بالنسبة إلى حال الصبي -على وتيرة واحدة: إذ تقدير لزومه في ذمته، وتسليط الولي على أدائه، وتأخير الخطاب بالأداء عنه إلى بلوغه معقول في الكل على وجه واحد، فكان ذلك دعوى مماثلة بالإضافة. ورجع حاصله إلى تقدير مستند للخصم في كون الصبا دافعا، وتقدير انتقاضه بالعشر، ومعرفة مماثلة الزكاة في تلك القضية العشر.
وعلى الخصم أن يبدى وراء هذا مأخذه: بأن العشر يثبت على العين، وأن زكاة الفطر مؤونة. فلو ثبت ذلك: لا نقطع دعوى المماثلة. فنتكلم عليه: بأن العشر والفطرة يفتقر كل واحد إلى النية. ويجوز الإخراج من غير المعشر، وذلك يدل على أنه لم يثبت على العين.
ولكن الدلالة الظنية قائمة من أول الاستدلال للمعلل، إلى أن يستنزل عنه
[ ٤٤٩ ]