جعله إياه سببًا.
وإن أردنا أن نبعد في التصوير، حتى لا يتشوف موسوس في الفكرة إلى تكللف استنباط مناسبة من هذه الصور، فلو قال: من مس ثوبًا أو جدارًا أو حجرًا فليتوضأ، لفهم من السببية كما يفهم من هذه الصور.
فدل أن الصيغة بوضع اللغة منبهة على التعليل، دون المناسبة. ولسنا ننكر أنها إذا كانت مناسبة: كان ذلك أظهر في الظن، وأسبق إلى الفهم، وأجدر باجتلاب طمأنينة النفس. ولكن أصل التعليل لابد من فهمه.
النوع الثاني: أن يعلم النبي ﷺ أمرًا حادثًا، فيحكم عقيبه بحكم. فجريان الحكم عقيبه وجودا، كالترتيب عليه بفاء التعقيب.
ومثاله: أن يقول له واحد: أفطرت يا رسول الله، فيقول ﵇: عليك كفارة. فذكر الكفارة عقيب معرفته بالإفطار بإخباره: تنبيه على أن علة الكفارة هو الإفطار. وقد قال الأعرابي: «[يا رسول الله] هلكت وأهلكت، واقعت أهلي في نهار رمضان». فقال [له النبي]
[ ٣٢ ]
﵇: «أعتق رقبة» ففهم منه أنه واجب بالوقاع.
وهذا مرتبته دون المرتبة السابقة، إذ لا يفهم التعليل في هذا المقام إلا إذا عرف أنه أجاب به عن سؤاله، وأنه لم يذكر ذلك ابتدأ بعد الإعراض عن كلامه .. إذ الغلام المنصوب لا سراج الدابة قد يقول لسيده: دخل فلان، فيقول السيد: أسرج الدابة، أي اشتغل بشغلك، فمالك وذكر ما لا فائدة لك في ذكره، وليس هو من شغلك؟ وذلك يفهم منه بقرينة الحال. فبقرينة الحال يعلم أن المذكور مسبب ما ذكره المبتدى. وقد تكون المناسبة فيه قرينة ظاهرة.
وفي هذا، يفارق ذكر الحكم مرتبًا على الفعل بفاء التعقيب؛ فإن الفعل المذكور لو لم يكن سببًا: لاختل نظم الكلام؛ وقد انتظم الكلام من [ذكر] الأمرين جميعًا: الفعل والحكم. والمتقاطعات لا يجوز نظمها وترتيبها على هذا الوجه، كما ضربناه: من مثال
[ ٣٣ ]
الأكل والرجم، والقيام والسجود] ٧ - ب [.
فأما إذا لم يذكر الشارع إلا أحد القسمين [فقد احتمل أن يكون جوابًا]، واحتمل أن يكون ابتداء منقطعًا عن سؤاله.
فهذا وجه التفاوت في الرتبة. وهذا كما أن الرجل إذا قال لزوجته: طلقتك على ألف، فقبلت المرأة [ذلك] فقال الرجل: أرددت طلاقًا على غير ألف، ليكون رجعيًا: لم يقبل [منه]، لأنه تعطيل لنظم الكلام المصرح به. ولو قالت المرأة: طلقني على ألف، فقال: طلقتك، ثم قال: أرددت بكلامي الابتداء، دون الجواب-: سمع، وكان الطلاق رجعيًا: لأنه يحتمله.
فإن قيل: إذا احتمل الابتداء واحتمل الجواب، فهو متردد بين التعليل وعدمه. فكيف يجوز التمسك به، ولا يبعد أن يذكر الذاكر لرسول الله ﷺ الإفطار، فلا يجيبه عنه في الحال، ويقول له: كفر، وهو يعني: كفارة وجبت عليه لسبب سابق عرفه الرسول ﷺ، وعرفه المخاطب، وذكر ذلك في معرض الابتداء: تجديدًا لأمر سابق، وابتداء بيان وجوب الكفارة بسبب سابق، اعتمادًا -في الاقتصار على قوله كفر -على فهم المخاطب، بقرينة [الحال]، وهذا الاحتمال أيضًا لا يندفع بالمناسبة. فليس كل
[ ٣٤ ]
ما يذكر بين يدي رسول الله ﷺمما ينسب الأحكام -يترتب عليه ما يناسبه. فكم من المناسبات والإخالات [التي] عطلها الشرع، ولم يلتفت إليها، ولم يحكم بموجبها، ولا أقام لها في نظره وزنا؟
قلنا: نعم، المناسبة لا تدفع هذا الاحتمال، ولكنها قد تنتهض قرينة للمشاهد الحاضر. وقد يكون عدم المناسبة معرفًا كونه مبتدئًا غير مجيب، فيبقى قوله: «كفر» في حقه، كما لو ابتدأ بالكلام [و] قال لداخل عليه: كفر؛ فالسامع يعلم أن هذا اعتمادًا على فهم المخاطب لأمر سابق.
فمن شاهد الحال يحكم عقله وذهنه. وإنما النظر فينا؛ فإنا نعتصم بالمنقول، والقرائن لا تنقل.
ومع هذا، يجوز التعلق بمثل هذه الواقعة في التعليل. لأن الراوي شاهد الحال وعرفه؛ فإذا روي لنا: «أن أعرابيًا قال: هلكت وأهلكت، واقعت أهلي في نهار رمضان؛ فقال ﵇: أعتق رقبة»، فهم من أنه فهم الجواب؛ إذ نقله بهذه الصيغة، وهو: ترتيب كلامه على كلامه بفاء التعقيب.
[ ٣٥ ]