النزاع في النتيجة بعد تسليم المقدمتين. وإذا وقع النزاع في المقدمات أثبت بطريقة. ولا تفارق الفقهيات العقليات [في ذلك]، إلا أن المسلك الذي [يثير ظنا] في المقدمتين -كاف في الفقه، ولا يكفي في العقليات.
البرهان الثاني: برهان الاستدلال. [وهو: الاستدلال] على الشيء بما ليس علة موجبة له، ولكن تثبت علته بوجه من الدلالة معقولة.
ولا حرج في تسمية برهان الاعتلال: استدلالا. فإن العلة مع الإيجاب للمعلول، تدل على المعلول. ولكن المعلول قد يدل على العلة، ولا يوجبها.
وهذا النوع -وهو الاستدلال بما ليس موجبا -ينحصر في ثلاثة: الاستدلال على الشيء بوجود خاصيته، أو بوجود نتيجته، فوجود الخاصية [٦٣ - ب] يدل على وجود ذي الخاصية، وعدمها يدل على عدمه. وكذلك وجود النتيجة يدل على وجود المنتج. وعدمها يدل على عدمه.
والاستدلال على الشيء بمثله ونظيره، فإن ما يثبت للشيء: يثبت لنظيره ومساويه، على الضرورة.
مثال الاستدلال بالخاصية، كقولنا: الوتر نفل، لأنه يؤدي على الراحلة، ويطرد هذا في النوافل، وينعكس في الفرائض. ووجه
[ ٤٤١ ]
دلالته؛ أن الأداء على الرواحل خاصية النوافل، فلا تؤدي فريضة على الراحلة بحال. وإذا وجد خاصية الشيء: دل على وجود ذلك الشيء .. وهذه الدلالة لا خفاء بها بعد تسليم الخاصية؛ إذ معنى الخاصية؛ الملازمة لذاته على وجه لا ينفصل عنه، ووجود الشيء يدل على وجود ما يلازمه، ولا ينفك عنه.
فإن قال الخصم: لست أسلم أن جواز الأداء على الراحلة خاصية النفلية؛ لأني أقول: الوتر ليس بنفل، ويؤدي على الراحلة. فالسؤال على هذا الوجه فاسد: لأنا نقدر -في ابتداء النظر -حكم الوتر في الفرضية والنفلية مشكلا: يتلقى من الأدلة، ويتعرف منها؛ ونقدر أنه لم يقم دليل فيه على النفي والإثبات، فوجدناه ينجذب إلى النفل في خاصية: لا تعرض قط في فريضة، فيغلب على الظن كونه نفلا.
ونحن نجوز أن يقوم للخصم دليل على كون الوتر فرضا؛ فيبين بذلك الدليل بطلان هذه الخاصية. أما هذه الخاصية، فثابتة، وبها يعرف حكم الوتر، ولا دليل فيه، فإن قام عليه دليل مقصود: سقطت هذه الدعوى؛ وعلى الخصم أن يذكر دليلا: إن كان عنده.
نعم: للخصم أن يقول: جواز الأداء [على الراحلة] خاصية عدم الفريضة؛ فلذلك تؤد الفرائض، وأنا أسلم أن الوتر ليس فرضا
[ ٤٤٢ ]
ولكنه واجب؛ فقد وفيت بموجب الخاصية.
وهذا السؤال واقع، ولكن شرطه: أن يبين فرقا بين الواجب والفرض، وعندنا لا فرق بينهما، فنبطل عليهم ما ذكروه، ويسلم الاستدلال بالخاصية.
ومن هذا القبيل -أيضا -قولنا: عتق المكاتب لا ينصرف إلى جهة الكفارة، لأنه وقع عن جهة الكتابة، ونستدل على وقوعه عن جهة الكتابة، باستتباعه الإكساب والأولاد؛ [وهو] من خاصية الكتابة، فدل على بقاء الكتابة وعدم انفساخها. وهي دلالة ظاهرة إلى أن يبين الخصم أن
[ ٤٤٣ ]
الكتابة باقية فيما على السيد، ومنفسخة فيما له؛ بدليل انفساخها في حق قرار النجوم، حتى يسقط باعتاقه، وهلم جرا إلى كلامه في تلك المسئلة.
وغرضنا: أن هذا ليس استدلالا بالعلة الموجبة؛ فليس الأداء على الراحلة [موجبا لفرضية] أو نفلية، ولا علة لها. ولا استتباع الإكساب [والأولاد] موجبا للكتابة، ولكنها خاصية ملازمة للذات؛ غرف ملازمتها بالشرع.
ويمكن أن نقرر وجه التمسك بهاتين الخاصيتين، بطريق الاطراد والانعكاس، وبطريق الشبه. ولكن ذلك جار فيما لا يعد من الخاصية؛ ولهذا وجه في الدلالة يزيد على المشابهة والاطراد والانعكاس.
النوع الثاني: الاستدلال بالنتيجة على المنتج، وبعدمها على عدم المنتج. ووجه دلالتها -بعد تسليم كونها نتيجة -واضح: فالعالمية نتيجة العلم وقيامه بالذات. فنقول: البارى ﷾ عالم، فدل على قيام العلم به. ومأخذ هذا الجنس -أيضا -الملازمة؛ فإن الموجب يلازم الموجب، كالخاصية الملازمة؛ فدل وجوده على وجوده: فإنه ملازم.
[ ٤٤٤ ]