المنهي عنه. فما وقع به التفرقة علة، وهو استنادها إلى سبب أو إلى فوات. فعلم أن كل ما له سبب خارجٌ عن النهي.
وليس لقائل أن يدعي اختصاص الاستثناء بركعتي الظهر، إذ شغله عنهما الوفد على الخصوص، فإنه جمود على الصورة، وذهول عن المعقول بالكلية.
النوع الخامس: النهي عما يمنع من الواجب، تنبيهًا على أن تحريمه لكونه مانعًا من الواجب.
كقوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾. فإنه
[ ٥٠ ]
أوجب السعي، والتعريج على البيع مانع؛ فكان تحريمه لكونه مانعًا. فلا جرم انعقد [البيع] وفارق البيع المنهي عنه لعينه.
فإن قيل: وبم عرف هذا، وهلا قيل: السعي إلى الجمعة مقصود بالإيجاب، والمنع من البيع أيضًا مقصود؟
قلنا: فهم ذلك [من] سياق الآية فهما لا يتمارى فيه.
فإن قيل: «السياق عبارة مجملة، فما معنى السياق؟ وما مستند هذا الفهم؟
قلنا: المعنى به: أن هذه الآية في سورة الجمعة إنما نزلت وسيقت لمقصد: وهو بيان الجمعة، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم﴾ الآية، وما نزلت الآية لبيان أحكام البياعات ما يحل منها وما يحرم. فالتعرض للبيع -لأمر يرجع إلى البيع في سياق هذا الكلام -يخبط الكلام ويخرجه عن المقصود، ويصرفه إلى ما ليس مقصودًا به. [وإنما يحسن التعرض للبيع إذا كان متعلقًا بالمقصود]، وليس يتعلق به إلا من حيث كونه مانعًا للسعي الواجب؛ وغالب الأمر في العادات جريان التكاسل والتساهل في السعي بسبب البيع، فإن وقت الجمعة يوافي الخلق وهم منغمسون في المعاملات.
[ ٥١ ]
فكان ذلك أمرًا مقطوعًا به لا يتمارى فيه. فعقل أن النهي عنه: لكونه مانعًا من السعي الواجب، فلم يقتض ذلك فسادًا. ويتعدى التحريم إلى ما عدا البيع: من الأعمال والأقوال وكل شاغل عن السعي، لفهم العلة.
ومن هذا القبيل، قوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما﴾ فإن الآية سيقت لقصد معلوم، وهو: الحث على توقير الوالدين وإعظامهما واحترامهما، والبر والإحسان إليهما. والتأفيف
[ ٥٢ ]