والصلاة لا مدخل للنيابة في تبرئة الذمة عنهما؛ فالأدلة المعرفة للجمع والفرق في النيابة تخصص العلة بالحج، وتقطع عنه الصوم والصلاة. وليس في ذلك إبطال العلل. كما أن السرقة خصصت بما فوق النصاب بدليل، ولم يدل ذلك على إبطال العلة. وكذلك كل علة ذكرت في محل واختص المحل بمزيد وصف يؤثر في الحكم، فلا سبيل إلى تعطيل ذلك الوصف.
النوع الرابع: أن يفرق الشرع بين شيئين في الحكم، بذكر صفة فاصلة. فهو تبنيه على أن الوصف الفاصل هو الموجب للحكم الذي عرف به المفارقة. وهو ضربان:
أحدهما: أن يقتصر في الحال على ذكر أحد القسمين، فيقطعه عن عموم ذكره ومهده.
[وهذا] كقوله ﵇: «القاتل لا يرث». فإنه
[ ٤٦ ]
تقرر أن القريب وارث، فإذ أبان أن القاتل لا يرث، علم أن القتل المذكور هو العلة في نفي الإرث، ولولاه لم يكن لإضافة الحكم إليه وتعريف محل الحرمان به، معنى.
وليس هذا مأخوذًا من المناسبة. فإنه لو قال: الطويل لا يرث، والأسود لا يرث، لكنا نقول: الطول الفاصل والسواد الفاصل، مناط الفصل، ومتعلق حرمان الميراث.
فإن قيل: إذا لم يعقل بين الطول والسواد وبين الحرمان للميراث مناسبة، ولا عرف له تأثير فيه، كيف يقال: إنه علة؟.
قلنا: لا سبيل إلى جحد كونه أمارة للحكم ومناطًا له، فإن امتنع ممتنع عن تسميته علة: فلا مشاحة في الاطلاقات؛ والعلل الشرعية أمارات، والمناسب المخيل لا يوجب الحكم بذاته، ولكن يصير موجبًا بإيجاب الشرع ونصبه إياه سببًا له. وتأثير الأسباب في اقتضاء الأحكام عرف شرعًا، كما عرف كون مس الذكر وخروج الخارج [من السبيلين] مؤثرًا في إيجاب الوضوء وإن كان لا يناسبه، وكما عرف كون القتل والزنا والسرقة أسبابًا لأحكامها إلى تناسبها. فإذا كان معرفة الأمارات تنبيهات أو تصريحات: لم يفارق المناسب غير المناسب، إلا أن المناسب أجلى وأسبق إلى الفهم مما لا يناسب.
[ ٤٧ ]
وقد تكون المناسبة -على تجردها -شرطًا مستقلًا، لكون الحكم المجرد الثابت على وفقها تنبيها على اعتباره والتعليل به -عند فريق من العلماء، دون فريق.
فالتنبيه إذا استند إلى مجرد ذكر الحكم، فارق المناسب غير المناسب. فإذا قال الشارع، حرمت عليكم شرب الخمر» فهو تنبيه على أن تحريمه لكونه مسكرًا، مزيلًا للعقل: الذي هو ملاك التكليف، ومركب أمانة الشرع، ولا تنبيه على كونه معللًا بحمرتها القانية، ولا برائحتها الفائحة، ولا بتسمية العرب إياها خمرًا، لأن هذه الأوصاف لا تناسب، ولا يحصل التنبه عليها بمجرد ذكر الحكم. فهذا مأخذ الفرق لا غير.
وكذلك إذا فرق بينهما بذكر الغاية. كقوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ لو اقتصر عليه. وكذلك قوله جل من قائل: «ولا جنبًا إلى عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾. وكقوله تعالى: ﴿فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾ فهذا كله تنبيه على أن ما جعل غاية للحكم مؤثرٌ وسببٌ في ارتباطه.
وكذلك ما يجري على صيغة الاستثناء، كقوله ﷾: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم
[ ٤٨ ]
الأيمان» تنبيه على أن للتعقيد تأثيرًا في المؤاخذة.
وكذلك قوله ﷺ: «للراجل سهم، وللفارس سهمان» فهذا يدل على أن المؤثر في التفضيل ما بينهما: من التفرقة.
وكذلك لما صلى رسول الله -ﷺبعد العصر والفراغ من فرضه، فقيل له: يا رسول الله، أما كنت نهيتنا عن هذه الصلاة؟ فقال: «هما ركعتان كنت أؤديهما [بعد الظهر] فشغلني عنهما الوفد». [فعلم أنه] ذكره في معرض الفرق بينه وبين
[ ٤٩ ]