أبعد من هذا الوصف؛ لكان الحكم عند حدوث ذلك الوصف مفهومًا إضافته إلى ذلك الوصف، وكون الوصف علامة عليه: حتى تقدر مشاركة البقرة والناقة للشاة فيها؛ وإن أنكر منكر هذا، كان متأكدًا، وإن زعم أنه من قبيل ما في معنى الأصل؛ قلنا: هذه عبارة اشتهرت، فلابد من البحث عنها. فإن قنع بمثل هذه العبارة، فنحن نقول: الشدة [المطربة] لا تناسب - مثلًا -[وهي] علة أو علامة، وشدة نبيذ التمر كشدته وفي معناه. فلا تعجز عن إطلاق هذه العبارة في جميع المواضع. ومعنى قولنا: في معناه؛ أنه شاركه فيما عرف كونه علة أو علامة؛ وأنه إنما فارقه فيما ليس له مدخل في العلامة، وهو: كونه شاة، وكونه بقرة. وهذا لا مدخل له؛ فكان يمكن أن يقال، العلامة والعلة هو: الموت في الشاة، كما يقول: هو الشدة في عصير العنب.
هذا هو المثال المقدر، وهو واضح. وفي تقرير أمثاله متسع؛ وهو: كل وصف حادث رتب الشارع عليه حكمًا، والوصف الحادث لا يناسب الحكم.
المثال الثاني - من مذهب الشافعي - قوله: أن بيع العنب [بالعنب رطبًا] كيلًا بكيل باطل؛ لأنه يتوقع نقصانه عند الجفاف: فصار
[ ٢٩٨ ]
كالرطب.
فقيل: ولم قلت: أن توقع النقصان في ثاني الحال علة الأبطال، مع حصول التماثل في الحال؟ وهل هذا إلا تعليل بما لا يناسب؟
فقال: الدليل علي إثبات الوصف في الأصل، قوله - ﵇ - للسائل: "أينقص الرطب إذا جف"؟ فقال: نعم، فقال: "فلا إذن". فعلل بالنقصان عند الجفاف.
فلو قيل [له]: علل بنقصان الرطب عند الجفاف، فلم عدت إلى العنب؟ - فلا يمكنه الانفصال بإظهار المناسبة: إذ لا مناسبة، وإنما فهم الحكم، وفهم علامة الحكم، وهو: توقع النقصان؛ فكان الحكم - مع العلامة - غير مخصوص [٤٧ - أ] بمحل العلامة. فمتى تصرف في اللبن واللحمان وجميع الأشياء الرطبة، وقدر لجميعها حالة الكمال - اعتبر التماثل بالإضافة إليها.
[ ٢٩٩ ]
ومن عرف مسالك المناسبة على ما قدمناه، عرف أنه لا مطمع في المناسبة في هذه المسألة؛ ولكن اتبع العلامة كما اتبع العلة المناسبة. والعلل المناسبات - عند التحقيق - علامات: فإنها لا توجب الأحكام لذواتها.
فإن قيل: ليس هذا وزان مسئلتكم؛ فإنه تلقى التعليل من الإضافة والإيماء من جهة الشارع، لا من جهة الحدوث.
[قلنا]: ولسنا نورد هذا المثال دليلًا على أن الحدوث عقيب الوصف علامة التعليل؛ وإنما أوردناه دليلًا على من سلم أنه عرف بالحدوث عقيبه كونه علامة، بالدليل الذي سبق؛ [ولكن] قال: هو علامة في هذا المحل حتى لا يتعدى. ولا يستنكر هذا لعدم المناسبة في التخصيص، كما لم يستنكر لعدم المناسبة في الأصل، وفي هذا لا يختلف الأمر باختلاف طرق معرفة العلامة؛ فالنقصان عرف كونه علامة بالإيماء، وهو - بعد كونه علامة - لا يختص بالمحل، فكذلك الوصف: إذا عرف كونه علامة بالحدوث عقيبه، لا يختص بالمحل وإن لم يناسب.
على أن الشافعي كيف يتعلق في التعدية بالإضافة، والإضافة إلى نقصان الرطب، إذ قال: أينقص الرطب إذا جف، فنقصان العنب كيف صار علامة؟ فدل أن العنب كالرطب محل العلامة، والحكم يتبع العلامة؛ وكذلك القول في الشدة التي لا تناسب مثلًا، هي بالنسبة إلى عصير الرطب، كهي بالنسبة إلى عصير العنب، والموت بالنسبة إلى الشاة، كهو بالنسبة إلى البقرة وسائر الحيوانات.
[ ٣٠٠ ]
وبهذا، يتبين اتفاق العلماء على إتباع العلامات دون المحال.
المثال الثالث: قول أبي حنيفة: الجص مكيل، فيحرم فيه ربا الفضل كالبر؛ فطولب به، فقال: ظهر تأثير الكيل في ربا الفضل. قلنا: وما معنى تأثيره؟ قال: ظهور الحكم به، ومظهر الحكم علة الحكم. وهذا [منه] دليل على تسمية العلامة علة: لأن العلامة تظهر كالعلة.
قال: ووجهه أن الفضل - الذي لا مقابل له - حرام في البيع بالاتفاق؛ وهو أن يقول: بعتك هذا العبد بهذا الثوب، على أن تزيد درهمًا؛ ××× فضل لا مقابل له، فهو حرام، وإنما صار فضلًا: بأن صارت المقابلة بحكم الشرط والصيغة، مقصودة على العبد والثوب.
والشرع شرط المماثلة في مقابلة البر بالبر؛ فكانت الزيادة فضلًا على المثال: لا مقابل له بحكم الشرع. وإنما يصير فضلًا على المثل، بحصول المماثلة. وإنما تحصل المماثلة في القدر: بالكيل؛ وفي المعنى: بالجنسية، فالعلة مركبة منهما؛ إذ بمجموعهما ظهر الفضل، وبظهور الفضل ظهر التحريم. فسمي علة: لأنه مظهر [يظهر] الحكم. وهو الذي رددنا القول في تسمية جنسه علة أو علامة العلة.
والغرض: وراء هذا، وهو أن يقال له: هذه الأوصاف لا تناسب، وهي
[ ٣٠١ ]
مظهرات. فإن سلم لك أنها العلامة، فهي علامة في الأشياء الستة؛ فلم عديتها إلى غيرها: وأنت لا تطلع على وجه المناسبة فيها؟ فيقول: إذا سلم [لي] أنها مظهرة، فهي علامة بنفسها حيث وجدت، ولا تختص بالمحال.
ومن سلم له كونه علامة لا ينازعه في الطرد، وإنما النزاع في طريق إثبات كونه علامة؛ إذ يقال له: والبر المتهيء لحصول المماثلة فيه قدرًا وجنسًا، لم شرط [الشرع] المماثلة الممكنة فيه؟ وبم عرفت [إن علامة الحكمٍ] الإمكان؟ والمقصود أنه عدى الكيل والجنس، وهي علامة مظهرة، وليست علامة مناسبة أصلًا.
فقد تبين - بالأمثلة من مذاهب العلماء - أن العلامة التي لا تناسب [متبعة]، لا يجوز تخصيصها بالمحل، كالعلامة بالمناسبة. وإن المناسبة إحدى الطرق التي يعرف بها كون الوصف علامة. وقد يعرف بغيرها: كالنص، والإيماء، واستعقاب الحكم عند الحدوث، وجب عليه إتباع العلامة، وقطع النظر عن المحال، وقد حصل بذلك دفع هذا السؤال [على أوضح وجه، للفطن المتأمل؛ إن شاء الله تعالى].
[ ٣٠٢ ]