فيها ينشأ من عيوب وأسباب جبلية، لا تقصير فيها من العاقدين، وأما العسر على هذا الوجه بالنسيان [فـ] نادر؛ وسببه: تقصير وترك تحفظ، ومساهلة في احتياط [لا محالة]. فالحاقة بهذه الأسباب ليس سديدا؛ وإنما المعول عليه، المصلحة؛ وهو في محل الاجتهاد والتردد، كما ردد الشافعي قوله هذا فيه: إذا لم يتعين السابق.
فلو تعين أولا، ثم نسى- فطريقان: منهم من قطع بأنه لا سبيل إلى الفسخ، ومنهم من طرد القولين: لاستواء المصلحة. وظاهر المذهب- من حيث النقل-: الفرق. وسببه: ظهور التقصير عند النسيان بعد العلم، وبعده عن ملاءمة الأسباب الموجبة للفسخ.
مثال آخر: إذا طلقت المرأة الشابة بعد المسيس، ولزمتها العدة، وتربصت الأقراء: فتباعدت حيضتها سنين- فقد قال العلماء: يلزمها التربص إلى سن اليأس، ولا يغنيها الاعتداد بالأشهر. وهذا ضرر عظيم ظاهر، وفيه تعطيل عمرها وشبابها، ومنعها من النكاح. ولكن نرى هذه المسألة مجمعا عليها، وتكاد تهدم اتباع المصالح في المثالين السابقين: فإنها قريبة منهما، ولكن: وجه الرأي فيه- والعلم عند الله- أن الله تعالى قال:
[ ٢٦٤ ]
﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾؛ والتربص واجب على كل من تحيض؛ ولسنا نعني [بقولنا]: تحيض، وجود الحيض عند الطلاق؛ فالطاهرة تطلق ويقال: أنها ممن تحيض، فتتربص الحيض. فالمعنى: إمكان الحيض، أما من لا يمكن في حقها الحيض جبلة: كالصغيرة والعجوز الهرمة؛ فلها العدول إلى الأشهر. وما دامت المرأة جارية- في وسط العمر- بين طرفي الوجود: فإمكان الحيض جار في حقها، وقد أمر الشرع بتربص الطاهرة للحيض؛ فعليها أن تنتظر الحيض، وما من لحظة تنقضي إلا وهي على رجاء من هجوم الحيض. نعم: لو علمنا أنها ليست تحيض إلى منتهى الهرم، لكنا نعدل بها إلى الأشهر. ولكن ذلك إن كان: فهو في علم الله تعالى، وهي- في كل ساعة تبغى الشروع في العدة بالأشهر- يتوقع الحيض لها حالا على حال. فإن مضت سنة أو سنتان: لم ينقطع هذا الرجاء؛ فرب امرأة لا تحيض سنين ثم يعاود الحيض؛ ومن لها إلى الانتظار سبيل: فليس لها في الشرع إلا التربص. وإنما الضرر ينتظم تقديره بتمادي الطهر سنين كثيرة. ونحن- في الحال- لا نعلم تراخيها سنين؛ وإنما ندرك ذلك بعد مضيها، ولا سبيل إلى تلافيها. وطريق الرجاء والأمل متسع في المستقبل. فهذا هو السبب والعلم عن
[ ٢٦٥ ]