تعالى.
فإن قيل: إن من مشهور كلام الأصوليين: أن كل علة مستنبطة من أصل، عكرت على الأصل بالتخصص -فهي باطلة. وإن من شرط تعليل الحكم أن لا يتضمن تغييرًا لحكم المنصوص عليه. ومهما اقتضت الصيغة العموم، ثم تخصصت بعلة مستنبطة منها -فقد تغير حكم النص، وعكرت عليه العلة بالتخصيص. فكيف جاز ذلك؟
قلنا: الكلمات التي تداولتها الألسنة لا سبيل إلى تقليدها، دون البحث عن مداركها وأدلتها، وإنما إتباع صورها دأب العجزة الذين قعدت بهم البلادة عن الارتقاء إلى بقاع المعاني المعقولة، بالرأي الصائب والذوق السليم، فلازموا -بحكم القصور والعجز -حضيض التقليد، وركنوا إلى ما تداولته الألسنة من غير غوصٍ على خفيات أسرارها، وتشوفٍ إلى العثور على أغوارها.
[ ٨٠ ]
وهذا مزلة قدم لابد من الاتئاد فيه.
فنقول أولًا: أظهرنا من تصرفات العلماء في الإرث للقاتل، النقصان من النصوص بالمعنى المفهوم من النص، كما عرف بالاتفاق الزيادة على المنصوص بالمعنى المعقول منها.
وأمثلة ذلك كثيرة:
من جملتها: نهي رسول الله ﷺ عن بيع ما لم يقبض. وإضافته التحريم إلى عدم القبض، وتنبه على التعليل به -معلوم على القطع. ثم اتفق الناظرون على أنه غير منوط بعدم القبض لصورته، واضطربوا في معناه.
فمنهم من قال: هو لتوالي الضمانين بسبب عدم القبض. فيخرج من العموم البيع من البائع: [فإنه لا يؤدي إلى توالي الضمانين.
[ ٨١ ]
ومنهم من قال: هو لضعف الملك بسبب عدم القبض. فيخرج البيع من البائع]. ويخرج منه الاستبدال عن بدل المتلفات: فهو جائز وإن كان قبل القبض.
وقال أبو حنيفة [هو] لتضمنه غررًا، من حيث [إنه] يتوقع انقلاب الملك إلى البائع الأول، بالتلف قبل القبض، فيتبين بالآخرة كون البائع الثاني [غير مالك بل] بائعًا ملك الغير، فيكون غررًا. فيخرج منه العقار.
وهو تشوف منه إلى طلب معنى ظهر بالشرع تأثيره في غير هذا المحل. وهو -أبدًا -يطلب للأحكام عللًا بان بشهادة الشرع تأثيرها، ولا يكتفى بالمناسبة. على ما سنذكره في طريق إثبات العلة بالتأثير والمناسبة.
[ ٨٢ ]