ينقسم: إلى ما يصلح للاعتماد وإلى ما لا يصلح، ولكن ليس انقسامه لافتراق راجع إلى الذات؛ وإنما هو بالإضافة إلى السلامة عن المعارضة بما [نقول: أنه] أولى منه؛ وإلى عدم السلامة عنه، وهذا يستوي فيه المناسب وغير المناسب.
وإيضاحه [هو]: بأن نقسم الكلام ونجربه في طرفين؛ أحدهما: فيما يعتمده المجتهد، ويجوز له أن يفتي به والآخر: فيما يسمع من المعلل، ويسوغ له الاقتصار عليه في مبتدأ التعليل، إلى أن يستنزل عنه بالاعتراض والمعارضة بما هو أولى منه.
أما المجتهد، فلا يحل له الاعتماد على مجرد ظهور الوصف الذي لا يناسب، ما لم يسبر سائل الأوصاف سبرًا حاصرًا: من حيث الإمكان والاستطاعة في حق المجتهد، وما لم يقابل الوصف الذي ظهر هل أولًا بسائر الأوصاف، فإذا قابله بها، وأبطل جميعها أو رجح ما ظهر أولًا على غيرها - على ما ذكرناه في مسئلة علة [الربا]-حل له الاعتماد عليه: في العمل والفتوى، وهذا السبر -أيضًا -واجب [عليه] في المناسب؛ فإنا سنبين أنه لا يجوز تعليل الحكم بعلتين مناسبتين: عرفنا
[ ٣٧١ ]
بشهادة الحكم، فلا بد أن تبطل سائر الأقسام، إذا لو ظهر مناسب أقوى مما ظهر أولًا: لصار الأول بالإضافة إلى الثاني كالطرد المهجور، ولذلك لم يلتفت إلى سلامته عن النقض والمعارضة وغيره.
وكذلك لا بد من استقصاء السبر في الأوصاف التي لا تناسب، فإن ظهر وصف لا يناسب فبحث وسبر، فعثر على مناسب -انمحق الوصف الأول واضمحل؛ وإن لم يعثر على مناسب، ولكن عثر على وصف آخر لا يناسب - وهو أمس للمقصود، وأخص منه بالغرض -انمحق الأول وبطل، كما ذكرناه في الطعم بالإضافة إلى الكيل.
فإذًا: كل وصف ظهر وسلم -بعد السبر -عن البطلان بظهور ما هو أولى منه، جاز الاعتماد عليه، وهو الذي عبر عنه: بالشبه.
وكان وصف ظهر أولًا، ولكن ظهر في مقابلته وصف آخر -أما على البديهة أو بالتأمل -هو أولى وأخص من الأول: فالأول لا يجوز الاعتماد عليه، وهو الذي يعبر عنه: بالطرد، فرجع الافتراق بين القسمين، إلى الإضافة، لا إلى الذات، وهذا الافتراض جار في المناسبات.
فلأجل هذا، رأينا أن نهجر عبارة الطرد والشبه: كيلا نخيل افتراقا من حيث الذات؛ فإن فهم ما إليه رجع الافتراق، فلا حرج بعده في الإطلاقات، والاصطلاحات بالتعريفات.
[ ٣٧٢ ]
وعبارة الشبه [أيضًا] مستكرهة من وجه آخر، وهو: أنا قد بينا أن ذلك لا يقوم إلا بفرع وأصل؛ وأنا نعلل النقدين بالنقدية القاصرة، ونظن أنها هي الصفة الملتزمة المتضمنة للمصلحة الخفية الغائبة عنا، ولا فرع لهذا الأصل، وسنذكر ما نريده بالعلة القاصرة، وندرأ عنه [اعتراض الخصوم، واستبعادهم] وقد تبين أن الوصف الذي لا يناسب جنس واحد، وأن ظهور الفرق: بالإضافة؛ فالكيل يظهر أولًا: فيظن أنه علامة؛ فيظهر الطعم -بالطريق الذي ذكرناه -ويصير أولى منه؛ فينقلب الكيل ساقطًا مطرحًا؛ وقد يعبر عنه: بالطرد، وعن الطعم - الذي صار أولى-: بالشبه، وقد يظهر بالتأمل للناظر في الطعم ويطرحه، ويعبر عنه: بالطرد، وعن القوت: بالشبه، ثم قد يتبين له بطلان القوت بالملح كما سبق، فينعطف إلى الطعم ويقول: هو الوصف المعتبر الذي يغلب على الظن كونه علامة؛ ويجعل القوت طردًا مهجورًا.
ولا فرق بين هذه الأوصاف الثلاثة: من حيث الذات؛ وإنما
[ ٣٧٣ ]