لهذا وأمثاله أمثلة المناسبات الواقعة في الرتبة الأخيرة؛ فأنها من أضعف درجات المناسبات. وسنذكر المحل الذي يجوز الاعتماد فيه على [مثل هذا المعنى]، والموضع الذي لا يعتمد فيه على أمثال هذه المعاني.
ومن خاصية هذه الرتبة [أن تغلب فيها المناسبات] الخيالية الإقناعية.
وعلى الجملة، المناسب ينقسم: إلى حقيقي عقلي، وإلى خيالي إقناعي.
فأما الحقيقي العقلي، فما بيناه في الرتبتين السابقتين، وهو الذي لا يزال يزداد- على البحث [والتنقير] والسبر- وضوحا، ويرتقى -بمزيد التأمل- إلى شكل العقليات.
وأما الخيالي الإقناعي، فهو: الذي يخيل في الابتداء مناسبته، فيقطع عن الطرد الذي ينبو عن المخيل؛ وإذا سلط عليه البحث، وسدد إليه النظر- ينحل حاصله، وينكشف عن غير طائل.
مثاله: تعليل الشافعي في تحريم بيع الخمر والميتة والعذرة بنجاستها، وقياس الكلب والسرقين وسائر النجاسات العينية عليه،
[ ١٧٢ ]
ووجه المناسبة في النجاسة: أن حكم الشرع بنجاسته أمر باجتنابه، وإشارة إلى استقذاره، والتجنب عن مخالطته؛ ففي الإقدام على بيعه، ومقابلته بالمال، وإيجاب الضمان على متلفه- إقامة وزن له يناقض ما علم: من خسته بتنجيس الشرع إياه.
فهذا الفن واقع في الرتبة الأخيرة؛ اذ لا يتعلق بالمنع من بيعه حاجة ولا ضرورة؛ ولكن: ×× أن في الإقدام على بيعه -بعد تنجيس الشرع إياه- ما يناقض محاسن العادات، وتستوي في هذه القضية سائر النجاسات.
والمعنى بكون خياليًا إقناعيًا، أن الحاذق يسلط البحث على هذا الكلام، فيقول: هذه ألفاظ جملية ركبت وخيل من مجموعها مناسبة؛ وإذا جرد النظر إلى المعنى في حقيقته وإلى الحكم، انتفت المناسبة. إذ معنى نجاسته: أن الصلاة لا تصح معه لا المنع من استعماله] لنجاسته [و] الكف عن [مخامرته؛ فالانتفاع بالنجاسات جائز بالاتفاق؛ ومعنى البيع: نقل الاختصاص ببدل. ولا مناسبة بين بطلان الصلاة باستصحابه،
[ ١٧٣ ]
وبين المنع من بيعه. فبهذا ينكشف الغطاء، وتنقطع المناسبة. ولا تزال تزداد المناسبة خفاء واندراسا بالبحث. ولكن على الجملة: ليس يبعد -في نظر الشرع- أن يمنع من بيعه: تأكيدًا لتنجيسه والكف عن مخامرته.
ومثال هذه الاقناعات قد يوجد في الشرع معتبرا، ولكن قد يعتقد اعتباره: إذا دل عليه مسلك نقلي، أما مجرد هذه المناسبة، فربما] لا يجري على دعوى التعليل.
وكذلك إذا قلنا: تحريم الربا في الأشياء الأربعة سببه: الطعم وحرمته، تضييقا لطريق التحصيل فيما عز في نفسه؛ فان ما يعز لا ينال إلا بنوع تكلف، وتجثم شروط ومضائق؛ وما سقط حرمته لم يضيق طريقه، بل سهل مناله -كان هذا كلاما إقناعا ضعيفا، ينكشف، -بالبحث- عن غير طائل، إذا يقال: العزيز المحترم يصان عن الإتلاف بالإسراف والتضيع؛ فأما أن يصان عن التحصيل بطريق التملك -فلا؛ بل يمهد إليه طريق التملك، ويوسع مسلكه لشدة الحاجة إليه.
[ ١٧٤ ]
وكذلك إذا قلنا: إن العبد لا يلي أمر ولده، لأنه مولى عليه، ويتناقض] أن [يكون الشخص الواحد وليا] و[موليا عليه -خيل هذا الكلام في مبدأ الأمر مناسبة، ولكن ينحل تعقيده] ٣٠ - ب [بأن يقال: المتناقض أن يكون وليًا فيما هو مولى عليه، فإنها تلي أمورا ويولى عليها في عقد النكاح. فيرجع حاصله إلى أنه المرء بنفسه ثم بمن يعول، وهو ليس متفرغًا لنفسه، فكيف يلي غيره. فيرجع إلى أمر إقناعي: ما لم يذكر وجه تضرر المولى بسبب اشتغال العبد، واستغراقه الأوقات بوظائف خدمة السيد.
فهذه أمثلة هذه المناسبات على تفاوت الدرجات.
وطريق تركيب الاقناعيات] هو [اقتباس قضايا جملية من أسباب معينة، وبناء الغرض عليها، فنقتبس من النجاسات قضية
[ ١٧٥ ]
جميلة، وهي: الحقارة والخساسة. ونقتبس- من الإقدام على البيع، والمقابلة بالمال- قضية جملية، وهي: تشريف، وإقامة وزن، وإثبات قدر. ثم ينشأ التنافي من القضيتين الجمليتين.
وكذلك نقتبس من وصف الطعم حرمة تنبئ عن عزة ومزية، وهي قضية جملية. ونقتبس من التحصيل بجميع الطرق، من غير تضييق ومزيد اعتناء- قضية جملية، وهي: التساهل والتهاون به؛ ونتخيل تنافيا بين القضيتين: فتنتظم منه المناسبة، وهي: المحافظة على القضية المقصودة الثانية، بنفي ما يناقضها.
وكذلك نقتبس من رق العبد نوع ذلة وصغار ومهانة؛ ومن قبول الشهادة علو منصب وارتفاع قدر. ونتخيل بينهما تنافيا. فلو رفعت هذه القضايا الجملية التي استثمرت من القضايا المعينة الخاصة، ونسبت القضايا الخاصة بعضها إلى بعض -لم تتناسب، وهي قول القائل: لا تصح الصلاة معه فيبطل بيعه؛ وهو مطعوم يحتاج إليه فيجب فيه القبض في المجلس، ويحرم] فيه [النساء والفضل؛ ومملوك فلا يصدق في قوله مع العدالة.
وهذه الأمور لا تناسب بأنفسها، وتناسب بقضاياها الجميلة.
فسبيل حل هذه التعقيدات تفصيل ما أجمله المخيل: من القضايا،
[ ١٧٦ ]