وليس من غرضنا النظر في آحاد الأمثلة، وإنما القصد من نقله: أن النقصان من النصوص -بالمعنى المفهوم من النص -مقول به وفاقًا، كالزيادة عليه بالمعنى المعقول منه: لتركن النفوس إلى قبول هذا من حيث النقل. ثم لاركون إلى الوفاق والخلاف في هذا الفن، وإنما المستند [هو] الدليل [وقضيته].
والذي يظهر لنا في ضبط هذا النوع من التخصيص، وما يجوز منه وما يمتنع -والعلم فيه عند الله تعالى -أن المعاني المفهومة من النصوص، تنقسم: إلى: ما يسبق مع اللفظ إلى الفهم سبقًا لا يتراخي عنه، وقد يكون المعنى أسبق إلى الفهم من اللفظ، وقد يكون مساويًا له، وقد يتراخى عنه قدر التأمل القليل من فهم البصير؛ وإلى ما لا يسبق إلى الفهم، ولكنه يستنبط بالسبر والنظر، ويستبان بدقيق الفكر.
وهذا الانقسام في الأصل معلوم، وهو من قبيل الغضب الذي ذكرناه: إذ لا يسبق إلى الفهم منه إلا اضطراب العقل: إذ ذكر مقرونًا بتحريم القضاء.
وكذلك قال الله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا﴾ الآية، لا يسبق إلى الفهم من الأكل معنى الأكل، وإنما يسبق
[ ٨٣ ]
إليه معنى الاحتياج والتفويت للمال، حتى يعلم، -على الارتجال، أو بأدنى تأمل -أن الظلم: بهبة ماله، واعتاقه، والتبرع به، وإتلافه وإحراقه، وإلقائه في البحر، وغير ذلك من وجوه الاتلافات -كالظلم بالأكل. [بل] يكاد يصير الأكل كناية عن الاتلافات، والغضب كناية عن زوال العقل.
وكذلك إذا قال: القاتل لا يرث؛ فالسابق إلى الفهم من هذا: الجناية على الروح، والتعدي بالقتل. فيسبق هذا المعنى إلى الفهم من اللفظ.
فما يجري هذا المجرى، فتحكيمه في النقصان والزيادة، وتغيير الحكم إلى الخصوص من العموم، وإلى العموم من الخصوص -جائز على نسق واحد: من حيث أن من منع العلة التي تعكر على الأصل بالتخصيص، منع من حيث أن القياس ليس تفسيرًا للألفاظ. فيجب معرفة الحكم أولًا، ثم طلب علته.
وهذا: فيما يتقدم الحكم في الفهم على العلة [والمعنى] ولا يكون المعنى قرينة.
فالمعنى -في هذه الأمثلة ونظائرها -سابق إلى الفهم، وهو قائم مقام القرينة المفسرة للفظ، المقررة لمعناه في الفهم. فلم يكن من ذلك القبيل.
ومن هذا الجنس، قوله ﵇: «لا نكاح إلا بولي
[ ٨٤ ]
وشهود» فإنه يعم العدل وغيره؛ وليس ببعد عندي -لو لم يرد قوله ﵇ «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» -أن يخصص الحديث بالعدل: من حيث أن ذكر الشهادة مقرونًا بالعقد لا يسبق منه إلى الفهم إلا معنى الاحتياط؛ فإخراج المحدود في القذف، ومن لا احتياط في نقله -بهذا النظر -جائز؛ وحاصله يرجع إلى تخصيص اللفظ بقرينة، ولكن صار المعنى المفهوم -السابق إلى الفهم السليم -قرينة.
فأما ما لا يسبق إلى الفهم، ويستنبط بالتأمل والنظر -فلا يتجاسر به على كل تخصيص، ولا يحسم أيضًا باب التخصيص به. بل يجوز أن يعتمد [عليه] ويخرج به عن اللفظ، ما يقع موقع النادر البعيد عن الفكر، بالإضافة إلى المراد؛ وهو: الذي لا يخطر بالبال إلا بالإخطار، ويقع نادرًا في قبيل ذلك الحكم.
[ ٨٥ ]
وهذا كقوله ﵇: «أيما أهاب دبغ فقط طهر»، فقد ذكر للطهارة سببًا وهو: الدباغ، واقتضى عمومه طهارة جلد الكلب بالدباغ.
وقد استنبط الشافعي -﵁من الدباغ معنى، بالنظر الصحيح والفكر المستقيم: وهو أن الدباغ يبعد الجلد عن العفونات، ويعصمه عن الفساد، ويؤثر فيه مثل تأثير الحياة، ويقوم مقامها في التأثير واقتضاء الطهارة.
فهذا تعليل هذا السبب، و[هو] نزوله منزلة الحياة: في اقتضاء الطهارة.
واقتضى مساق هذا الكلام إخراج جلد الكلب منه، بعد ما [تناوله؛ بدليل] أن الكلب نجس في حال الحياة.
[ ٨٦ ]
فهذا نوع تخصيص بعلة مستنبطة من المخصوص. وليس أمثاله ممنوعًا: إذ الممنوع التغيير، والتغيير يقع بعد استقرار العموم، وتناول اللفظ للكلب، بمجرد الصيغة، ليس مستقرًا معلومًا [حتى] لا يغير إذ العام يطلق ويراد به الخاص، وهو غالب في عادة العرب؛ فكان استقراره في التناول له موقوفًا على أن لا يتبين مدرك آخر لتقرير اللفظ وتنزيله؛ وإذا ظهر المعنى بالتأمل: فخروج بعض ما تناولته الصيغة بعمومها -وهو بعيد عن الفكر -لا يمنع صحة هذا الاستنباط مع ظهوره. فيقال: المعنى مفهوم، والمخرج نادر خارج عن الفكر والذكر، واتباع المعنى أولى من الجمود على محض الصيغة؛ وخروج الكلب عن ذهن المتكلم والمستمع -عند التعرض للدباغ -ليس بعيدًا، بل هو الغالب الواقع، ونقيضه هو الغريب المستبعد.
فتجاسرنا على هذا التخصيص -وإن لم يكن المعنى سابقًا إلى الفهم، جاريًا مجرى القرائن المفسرة من حيث إنه تبعد إرادة الكلب، ولم يبق لدخوله مستند سوى مجرد الصيغة مع إمكان إرادة العموم.
[ ٨٧ ]
وأما ما لا يستنبط من نفس المخصوص، فينقسم: إلى ما يستنبط من أصل ورد مخصصًا وإلى ما يستنبط من قاعدة [لا تتعرض بظاهرها للعموم بالتخصيص، وإنما تتعرض له بمعناها المستنبط منها].
أما ما يستنبط من أصل ورد مخصصًا، فمثاله ما روي عن النبي ﷺ: من النهي عن الصلاة بعد الفراغ من العصر، فإن ذلك يقتضي عموم النهي في جميع الصلوات، ولكنه ﵇ روى: «أنه صلى بعد العصر ركعتين، فقالت له أم سلمة ﵂: أما كنت نهيتنا عن هذه الصلاة؟ فقال: هما ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر، فشغلني عنها الوفد».
فنبه به على [أن] اشتغاله به سبب اقتضى الصلاة. فيقاس عليه كل صلاة لها سبب؛ ولا سبيل إلى الاقتصار في التخصيص على ركعتي الظهر: إذا شغل عنها الوفد على الخصوص. فما عداها -من الصلوات
[ ٨٨ ]
التي لها أسباب -دائرة بين أن تكون في محل العموم، أو داخلة في الخصوص؛ فانجذبت إلى المخصوص بالنص، برابطة العلة التي جرى التنبيه عليها. فأخرج عن العموم، وبقى النهي مقصورًا على التبرع بالصلاة المبتدأة التي ليست لها أسباب.
وليس يشترط في هذا الجنس أن يكون المستخرج من اللفظ بحكم الخصوص نادرًا، والباقي] ١٧ - أ [غالبًا. لأن الحديث المخصص ورد مضادًا للعموم في بعض أطرافه؛ فسقط التعلق بعموم الصيغة، ووجب المصير إلى تقدير قرينة مفهمة مقتضى اللفظ فيما أراده الشارع ﵇. فالقرائن قد تحمل الألفاظ على ما يعد نادرًا بالإضافة إلى مطلقة، فتأثير القرائن عظيم ظاهر، حتى قد نبعد في تصوير القرائن؛ فإذا ورد حديثان متضادان في ظاهرهما، وافتقرنا في الجمع إلى تقدير قرينة لم تنقل -فعلنا ذلك، وإن كنا لا نتجاسر على مثله بمحض القياس.
وهذا كحديث الربا في النقد، فإنه رواه عبادة بن الصامت
[ ٨٩ ]
وجماعة. وروى أسامة بن زيد عن النبي -ﷺأنه قال: إنما الربا في النسيئة». وهذا صريح في الحصر ونفي الربا في النقد. وإليه ذهب ابن عباس وعامة أصحابه، وسعيد وعروة.
ولكن: حديث الربا في النقد رواه أبو سعيد، وأبو
[ ٩٠ ]
هريرة، وابن عمر، وعبادة بن الصامت. فهم أوثق وأكثر. وهذا وإن لم يكن فيه مطعن أيضًا، ولكن لا ضرورة في جعله ناسخًا، ولا في تكذيب الراوي؛ فنجمع بينهما ونقول: لعل رسول الله -ﷺ -[سئل عن] صنفين مختلفين: إذا بيع أحدهما بالآخر: من ذهب وفضة، أو تمر وحنطة، متفاضلًا. فقال ﵇: «إنما الربا في النسيئة»، وأراد به ما سئل عنه. وهذا وإن كان تقدير قرينة لم تنقل، ولكنه محتمل. وإغفال الراوي لسبب الجواب، واقتصاره في النقل على كلامه -ممكن وإن كان بعيدًا؛ فهو أولى من تكذيب العدل، أو نسخ ما هو ثابت في الشرع من غير ثبتٍ. مع أن التأريخ ليس بظهر في التقدم والتأخر، والبعيد يصير قريبا بالإضافة [إلى الأبعد]؛ ويتعين المصير إلى الأقرب فالأقرب، عند تعارض الجهات، ولهذا لا يجوز الهجوم على مثل هذا التقدير، بمحض الرأي والقياس؛ لأن مخالفة القياس ليس بأبعد من مثل هذا التقدير.
فليتأمل الطالب المسترشد مراتب النظر، ومدارك الكلام. وليعلم أن إطلاق الكلام بقبول كل تخصيص، أو إبطال كل تخصيص، أو الاقتصار
[ ٩١ ]