فنقول: دلالة [الألفاظ على الشيء] أما أن تكون بطريق التعليل، أو اللغة، أو العرف؛ ولا يحكم بالإحالة على العرف إلا إذا امتنع إحالته على اللغة والتعليل: لأن التنبيه بطريق التعليل من اللغة، كما أنه بطريق الوضع من اللغة.
وأما دعوى كونه مستعملًا من جهة العرف [فهذا تحكم] يصار إليه إذا حصل الفهم وامتنع له مدرك وضعي. وفي مسئلتنا، أمكن الإحالة بالتنبيه على التعليل: لظهور [إيجاب التوقير من الآية، وظهور كون التأفيف مناقضًا له بالعقل والعرف، وظهور] كون الضرب مشتملًا على ذلك الإيذاء وزيادة. فهذه مقدمات أولية استند إليها العلم بتحريم الضرب، وهو القياس بعينه.
أما قوله: ليس لفلان حبة [فإنه] ينفي ما فوقه باللفظ؛ لأن ما فوقه حبة وحبات، وفي الحبات حبة، فلو كان له حبات، لكان كلامًا خلفًا، فهو من حيث الوضع دل عليه، لا دلالة له على ما دون الحبة. ولكن ما دون الحبة لا يوصف بالملك، فينتفي لذلك لا للفظ.
[ ٥٦ ]
وقوله ﷿: ﴿فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيرًا يره﴾، من هذا القبيل، لأن في الكثير ذرات، وفي الذرات آحاد، ولا تعرض له لما دون الذرة، ولكن ما دون الذرة كأنه خارج عن التقدير والإمكان والتصوير؛ والذرة أقل القليل الذي لا أقل دونه في مقصود هذا الكلام؛ فما دون الذرة أن تصور في التقدير فهو ملحق به بطريق التعليل، وهو: أن السبب هو المجازاة على الحسنة والسيئة، وما دون الذرة حسنة وسيئة، فقد وجد سبب المجازاة، فيجازى.
وقول القائل: فلان مؤتمن على قنطار: يتناول ما دون القنطار، إذ هو في القنطار موجود؛ ولا يتعرض لما فوقه، إذ يحتمل أن يكون الرجل أمينًا على مقدارٍ نزرٍ، دون مقدار عظيم، فإن عرف بالقرينة أنه يريد ذكر أمانته مطلقًا، ويذكر القنطار للتكثير والمبالغة، فيكون دليلًا من حيث العرف بالقرينة.
وقوله: ليس لفلان نقير ولا قطمير، لا يدل بالوضع على نفي الدراهم [والدنانير] ولا بالتعليل؛ إذ ليس في الدراهم والدنانير نقير ولا قطمير. ولا كالحبات والذرات، فإن فيها حبة وذرة، ففي نفي الآحاد نفي الجملة. ولا وجه للتعليل، إذ المنافي للنقير والقطمير
[ ٥٧ ]
لا ينافي غيره. فما انحسم المسلكان [علم بالعرف أنه عبارة] عن أقل القليل، ثم إذا انتفى القليل فالكثير منتف لا محالة.
فإن قيل: وبم تنكرون على من يقول: [إن] قوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾، عبارة عن النهي عن الإيذاء.
قلنا: لأنه تحكم [لا مستند] له، إذ حمله على حقيقته -مع فهم علته، وإلحاق غيره به -ممكن، فتحويله إلى غير حقيقته -من غير ضرورة -لا وجه له، بخلاف النقير والقطمير.
فإن قيل: لو كان هذا قياسًا لامتنع منه من لا يرى القياس [في الشرع]، ولامتنعنا منه: لو ورد الحجر عن القياس.
قلنا: إنما لا يمتنع، لأن هذا القياس معلوم، فإن مقدماته معلومة. فلو ورد الحجر عن القياس المعلوم ووجب الجمود على موضع النص، لقصرنا التحريم على التأفيف، وقلنا: الضرب لم يتعرض له النص. ولكنه يكاد يفضي إلى التناقض، إذ عرف وجوب التعظيم،
[ ٥٨ ]
وعرف تحريم التأفيف: لكونه ضدًا، وعلم أن الضرب أقوى منه في المضادة. ولا سبيل إلى دفع [علم] مقدماته معلومة على القطع.
هذا تمام القول في طرق التنبيهات، ولا مطمع في حصر الآحاد: فإنها كثيرة، وقل ما يخلو كلام الشارع عن تنبيهات يفطن لها ذوو البصائر، وتكل عن فهما أفهام معظم المتوسمين بالعلم. وما ذكرناه كاف لتنبيه الفطن على أجناس هذه المدارك؛ والبليد لا يغنيه مزيد الاستقصاء، ولو استوعبت له آحاد الصور.
وعلى الجملة: لكل صورة من آحاد هذه الصور مذاق مخصوص، وللعقل فيها مجال مضطرب على وجه يخص تلك الصورة. فخصوص النظر في الآحاد ليس من شأن الأصوليين، وإنما [على الأصوليين] ضبط القواعد، وتأسيس الأجناس. ثم إدخال التفاصيل في الجمل من شأن الفقهاء الناظرين في تفاصيل المسائل.
وشفاء الغليل في هذه القاعدة، بذكر خيالات وتنبيهات على وجه الكشف فيها، نوردها في معرض الأسئلة والأجوبة، منعطفة على الأمثلة التي أوردناها.
فإن قيل: إذا ذكر الشارع وصفًا، وأضاف الحكم إليه، ونبه على
[ ٥٩ ]
التعليل به من الوجوه التي أوردتموها -فهي صريحة في التعليل بها؟ أم هي ظاهرة يتطرق التأويل إليها، ويجوز تغييرها بمسالك الأدلة؟
قلنا: جملة الصفات المذكورة في الأمثلة -التي نبهنا عليها، وأشرنا إلى إضافة الحكم إليها -صريح في اقتضاء كون الوصف معتبرًا في الحكم على الجملة، فأما اعتباره بطريق كونه علة، أو سببًا متضمنًا للعلة بطريق الملازمة والمجاورة، أو شرطًا يظهر الحكم [عنده] لسبب آخر أو يعتبر الوصف على تجرده حتى يعم، أو يضم إليه وصف آخر حتى يختص ببعض المحال -فمطلق الإضافة ليس صريحًا فيها، ولكن قد يكون ظاهرًا في وجه ويحتمل غيره، وقد يكون مترددًا بين الوجهين. والمتبع في ذلك موجب الأدلة، وإنما الثابت بالإيماء والتنبيه كون الوصف المذكور معتبرًا على الجملة في إثبات الحكم على وجه لا يجوز إلغاؤه، بحال؛ ثم [ما] لا يجوز إلغاؤه ويتعين اعتباره فله وجوه؛ وليس من ضرورة الإيماء الدلالة عليه، بل قد يدل عليه، وقد لا يدل عليه. وهذا يحرك جملة من أسرار هذا الفصل، لا تتبين بهذا الإطلاق والإجمال، وإنما ينكشف الغطاء عنها بذكر آحاد الخيالات والأسئلة والانفصال عنها.
[ ٦٠ ]