فهذا ما منعنا من اتباع هذه المصلحة. فالمانع في المثال الذي قبل هذا: أن لا حاجة إلى العقوبة بالقتل، وفي التعزير حصول المصلحة، والمانع في هذا المثال: تقابل المصلحة من الجانبين من الاعتضاد بستر الصحابة، والمخايل الشاهدة لإخفاء الفواحش.
وعلى الجملة: هذه المسئلة في محل الاجتهاد؛ ولسنا نحكم ببطلان مذهب مالك - ﵀ - على القطع، فإذا وقع النظر في تعارض المصالح: كان ذلك قريبا من النظر في تعارض المصالح: كان ك قريبا من النظر في تعارض الأقيسة المؤثرة التي ذكرناها.
مثال آخر: فإن قال قائل: توظيف الخراج على الأراضي ووجوه الارتفاقات مصلحة ظاهرة، لا تنتظم أمور الولاة - في رعاية الجنود، والاستظهار بكثرتهم، وتحصيل شوكة الإسلام - إلا به. ولذلك لم يلف عصر خال عنه. فالملوك - على تفاوت سيرهم، واختلاف أخلاقهم - تطابقوا عليه، ولم يستغنوا عنه؛ فلا تنتظم مصلحة الدين والدنيا إلا بإمام مطاع، ووال متبع؛ يجمع شتات الآراء، ويحمي حوزة الدين وبيضة الإسلام، ويرعى مصلحة المسلمين وغبطة الأنام، وليس يستتب ذلك له إلا بنجدته وشوكته، وجنده وعدته؛ فبهم مجاهدة الكفار، وحماية الثغور، وكف الأيدي الطغاة والمارقين وذبهم عن مد الأيدي إلى الأموال والحرم والأرواح؛ فهم [٣٨ - ب] الحراس للدين عن أن تنحل
[ ٢٣٤ ]
دعائمه، وتتخاذل قواه بتواغل الكفار بلاد الإسلام؛ وهم الحماة للدنيا عن أن يختل نظامها: بالتغالب، والتسالب، والتوثب من طغام الناس، بفضل العرامة [والباس ولا يخفي] كثرة مؤنهم، وانشعاب حاجاتهم: في أنفسهم وذرياتهم؛ والمُرصد لهم: خمس [الخمس من المغانم] والفئ؛ وذلك مما يضيق - في غالب الأمر - عن الوفاء بإخراجاتهم، والكفاية لحاجاتهم، وليس يتم ذلك إلا بتوظيف الخراج على الأغنياء. فإن كنتم تتبعون المصالح، فلابد من الترخيص في ذلك مع ظهور وجه المصلحة.
قلنا: الذي نراه جواز ذلك عند ظهور [وجه] المصلحة؛ وإنما النظر في بيان وجه المصلحة.
فنقول أولا: توظيف الخراج - في عصرنا هذا، وكل عصر هذا مزاجه ومنهاجه - ظلم محض لا رخصة فيه؛ فإن آحاد الجند لو استوفيت جراياتهم، ووزعت على الكافة: لكفاهم برهة من الدهر، وقدرا صالحا من الوقت. وقد تشحوا: بتنعمهم وترفههم في العيش، وتبذيرهم في إفاضة الأموال على العمارات، ووجوه التجمل على سنن الأكاسرة؛
[ ٢٣٥ ]
فكيف نقدر احتياجهم إلى توظيف خراج لأمدادهم وإرفاقهم، وكافة أغنياء الدهر فقراء بالإضافة إليهم؟.
فأما لو قدرنا أماما مطاعا، مفتقرا إلى تكثير الجنود: لسد الثغور، وحماية الملك: بعد اتساع رقعته، وانبساط خطته؛ وخلا بيت المال عن المال، وأرهقت حاجات الجن د إلى ما يكفيهم، وخلت عن مقدار كفايتهم أيديهم، فللإمام أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافيا لهم في الحال، إلى أن يظهر مال في بيت المال؛ ثم إليه النظر في توظيف ذلك على وجوه الغلات والثمار؛ كي لا يؤدي تخصيص بعض الناس به، إلا إيغار الصدور، وإيحاش القلوب. ويقع ذلك قليلا من كثير: لا يجحف بهم، ويحصل به الغرض.
فإن قيل: فهذه مصلحة غريبة لا عهد بها في الشرع ولا بمثلها؛ وحاصلها يرجع إلى مصادرة الخلق في أموالهم؛ وهو محظور: نعلم حظره من وضع الشرع؛ ولذلك لم ينقل [قط] عن الخلفاء الراشدين: قبل أن صارت الخلافة ملكا عضوضا، وإنما أبدعها الملوك المترفون، المائلون عن سمت الشرع.
[ ٢٣٦ ]
قلنا: إنما لم ينقل عن الأولين ذلك، لاشتمال بيت المال في زمانهم، واتساع وجوه الرزق على أعوانهم، وقد نقل عن عمر - ﵁ - ضرب الخراج على أراضي العراق. فأصل الضرب ثابت بالاتفاق؛ وإنما اختلاف العلماء في طريقه.
ثم الكلام الشافي للغليل، هو: أن السائل أن أنكر وجه المصلحة فيما ذكرناه [أبديناه وآريناه، وقلنا: إن لم يفعل الإمام ذلك]: تبدد الجند، وأنحل النظام، وبطلت شوكة الإمام، وسقطت أبهة الإسلام، وتعرض ديارنا لهجوم الكفار واستيلائهم؛ ولو ترك الأمر كذلك: فلا ينقضي إلا قدر يسير، وتصير أموال المسلمين طعمة للفكار، وأجسادهم دُربة للرماح وهدفا للنبال، ويثور بين الخلق - من التغالب والتوائب - ما تضيع بها الأموال، وتعطل معها النفوس، وتنتهك فيها الحرم. ونظام ذلك شوكة الإمام بعدته، وما يحذر إلمامه - من الدواهي - بالمسلمين: لو انقطعت عنهم شوكة الجند، التي تستحقر - بالإضافة إليها أموالهم.
فإذذا رددنا بين احتمال هذا الضرر العظيم، وبين تكليف الخلق حماية أنفسهم بفضلات أموالهم، فلا نتمارى في تعيين هذا الجانب. وهذا مما يعلم قطعا من كلى مقصود الشرع: في حماية الدين والدنيا، قبل أن نلتفت على الشواهد المعينة من أصول الشرع.
[ ٢٣٧ ]
على أنا أن حاولنا إظهار هذا من شواهد الشرع، وكشفنا عن ملاءمته لنظره وجدنا في ذلك مضطربا؛ ولكن الحاجة إلى الاعتضاد بالشواهد والملاءمة في اتباع مصلحة مظنونة - يتصور مخالفتها؛ وهذه مصلحة في الصورة التي فرضناها - أن تصورت - قطعية م وضع الشرع: [لا] تفتقر إلى شاهد من الأصول يصدقها، وينزل [مثل] هـ المصلحة - من المصالح المظنونة - منزلة المعلومات بالعيان [٣٩ - أ] أو بأخبار التواتر من المعلومات بأقوال الآحاد؛ وإنما نشترط في الآحاد العدالة لترجيح جهة الصدق على جهة الكذب، وما علم عيانا أو تواترا، وانقطع التردد عنه - استغنى عن الترجيح.
ثم خاصية مثل هذه المصالح القطعية: أنها لا تعدم قط شواهد من الشرع كثيرة.
فأبعدها عن الشهادة ظاهرا - وهي أقربها تحقيقا - هو: أ، الأب في حق طفله مأمور برعاية الأحسن؛ وأنه ليصرف ماله إلى وجوه من النفقات والمؤن في [الغرامات و] العمارات، وإخراج الماء من القنوات، وهو - في كل ذلك - ينظر له في ماله، لا في حاله، فكل ما يراه سببا لزيادة ماله [في الحال]، أو لحراسته في المال - جاز له بذل المال في تحصيله.
[ ٢٣٨ ]
ومصلحة خطة الإسلام وكافة المسلمين، لا تتقاصر عن مصلحة طفل [واحد]. ولا نظر للإمام - الذي هو خليفة الله في أرضه - يتقاعد عن نظر واحد من الآحاد في حق طفله، فكيف يستجيز منصف انكار ذلك [المعنى]، مع الاعتراف بظهور هذه المصلحة؟ وإن أنكر منكر وجه المصلحة: فعلينا تصويرها، والحكم بالتحريم عند انتفاء المصلحة.
وأما الشواهد الظاهرة القريبة من هذا الجنس، [فمنها] أن الكفار لو وطئوا أطراف بلاد الإسلام، يجب على كافة [المسلمين و] الرعايا أن يطيروا إليهم بأجنحة الجد؛ فإذا دعاهم إلى ذلك الإمام: وجب عليهم الإجابة، وفيه أتعاب النفوس وأنفاق المال؛ وليس ذلك إلا لحماية الدين، ورعاية مصلحة المسلمين. فهذا - في هذه الصورة - قطعى.
وإن نزلنا في التصوير، وقدرنا ما إذا لم يهجم الكفار، ولكن كنا نحذر هجومهم، ونتوقع انبعاثهم؛ فلو استشعر الإمام من شوكة الإسلام وهنا وضعفا وتفرقا: لوجب على كافة الخلق إمدادهم؛ كيف: ولو لم
[ ٢٣٩ ]
ينبث جنود المسلمين في ديار الكفار: انبتوا في ديارنا [على قرب]. ولطالما قيل: "الروم إذا لم تغز غزت". ومهما سقطت شوكة الإسلام، كان ك متوقعا على قرب من الأيام؛ كيف: والجهاد في كل سنة واجب على الكفاية، على كافة الخلق، وإنما سقوطه باستقلال أقوام من المرتزقة به، فكيف يتمارى في وجوب بذل المال في مثل ذلك؟
وإن نزلنا في التصوير، وقدرنا - ضربا للمثل - أنبساط أطراف ظل الإسلام على [أقاصي] الغرب والشرق، وأطباق الدين الأرض ذات الطول والعرض؛ حتى لم يبق من الكفار نافخ نار، ولا طالب ثار -: فلا يؤمن هيجان الفتن بين المسلمين، وثوران المحن من نزعات المارقين؛ وهو الداء العضال، وفيه تستهلك النفوس والأموال ولا كاف لأمثالها إلا سطوة الإمام، ولا كاف عن فسادها إلا قهر الوالي المستظهر بجند الإسلام. ولو اتفق شيء من ذلك: لافتقر أهل الدنيا إلى نصب حراس، ونفض أكياس على أجرهم؛ ثم لا يغنيهم ذلك. فه مصلحة ملائمة قطعية، لا يتمارى منصف في وجوب اتباعها.
[ ٢٤٠ ]
فإن قيل: في الاستقراض غنية عن المصادرة واستهلاك الأموال، فقد كان النبي ﵇ - يستقرض: إذا جهز جيشا، وافتقر إلى مال.
قلنا: نقل الاستقراض من النبي ﵇، ونقل - أيضا - أنه كان يشير إلى مياسير أصحابه: بأن يخرجوا شيئًا من فضلات أموالهم؛ إلا أنهم كانوا يبادرون - عند إيمائه - إلى الامتثال، مبادرة العطشان إلى الماء الزلال.
ولسنا ننكر جواز الاستقراض ووجوب الاقتصار عليه، إذا دعت
[ ٢٤١ ]
المصلحة إليه، ولكن: إذا كان الإمام لا يرتجي أنصباب مال إلى بيت المال، يزيد على مؤن العسكر ونفقات المرتزقة في الاستقبال؛ فعلى ماذا الاتكال في الاستقراض مع خلو اليد في الحال، وانقطاع الأمل في المال؟.
نعم: لو كان له مال غائب، أو جهة معلومة تجري مجرى الكائن الموثوق به، فالاستقراض أولى. وينزل [ذلك] منزلة المسلم الواحد: إذا اضطر - في مخمصة - إلى الهلاك، فعلى الغنى أن يسد رمقه، ويبذل من ماله ما يتدارك به حشاشته؛ فإن كان له مال غائب أو حاضر: لم يلزمه [٣٩ - ب] التبرع، ولزمه الإقراض؛ وإن كان فقيرا: لا يملك نقيرا ولا قطميرا، فلا نعرف خلافا في وجوب سد مجاعته، من غير إقراض.
وكذلك: إذا أصاب المسلمين قحط وجدب، وأشرف على الهلاك جمع؛ فعلى الأغنياء سد مجاعتهم، ويكون ذلك فرضا على الكفاية؛ يخرج بتركه الجميع، ويسقط بقيام البعض به التكليف؛ وذلك ليس على سبيل الإفراض؛ فإن الفقراء عالة [على] الأغنياء، ينزلون منهم منزلة الأولاد من الآباء؛ ولا يجوز للقريب أن ينفق على قريبه بالإقراض، إلا إذا
[ ٢٤٢ ]