النطق. وكل مجتهد فيها -إذا تحرى الصواب، وهجر التقليد والعناد -مصيب، أو مثاب على جهده وكده في طلبه وإن لم يحكم له بالإصابة.
فإن قيل: قد أفضى مساق كلامكم إلى تجويز التصرف في النصوص، بتغيير ظاهرها لمعان مفهومة منها، ومعلوم أن سد الخلة ودفع الحاجة، معنى يسبق إلى الفهم من الزكوات؛ فعلا ساعدتم أبا حنيفة على مصيره إلى تسليط هذا المعنى على الظاهر، بالتغيير في مسئلة أخذ القيم في الزكوات، وفي مسئلة صرف الزكاة إلى الأصناف الثمانية، وغيرها؟
قلنا: لم نساعده، لا لامتناع هذا التصرف؛ ولكن: لأن معنى سد الخلة لم يتمحض اعتباره في الزكاة، بل انضم إليه التعبد، وعرف ذلك بالتنبيه على الأسنان في مراتب الحيوان في الزكوات، والإعراض عن القيمة في الأصل؛ والباب باب العبادة؛ فراعينا المعنى ولم يتمحض اعتباره، بل ضممناه إليه التعبد: لدلالة الأدلة عليه على ما استقصيناه في
[ ٩٦ ]
تلك المسئلة، وليس ذلك الآن من غرضنا. ولعلنا نضيف إلى هذا الكتاب كتابًا في بيان التخصيص والتأويل، ونأتي فيه بمزيد تفصيل نشفي فيه الغليل. فإن النظر في هذا الفن متعلق بذلك القصد، ومنحرف عن [غرض] القياس؛ وهو الذي ترشحنا لبيانه الآن، وابتدأنا بالكتاب له؛ فلا ننجر إلى ما يخرج بنا عن الغرض الخاص أكثر من ذلك. فنرجع الآن إلى الغرض الذي كنا فيه، وهو: بيان طرق الإيماء وكشف الخالات المتطرقة إليها بالتنبيهات.