القياس: لأنه ينجر إلى القول بالطرد، والقول بالطرد باطل، وما يلزم عليه الباطل فهو باطل، فما سبيل الترقي عن هذه المهواة؟ ولابد من كشف الضمير، وإبداء المعتقد [فيه].
قلنا: القول بالقياس حق، عرف ذلك- قطعا- من الشرع، وتصرف علماء الصحابة وإجماعهم عليه، فكون أصل القياس حقا مقطوع به، وكل ما إلى إنكار القياس الحق فهو باطل، وكل ما يلزم على القول بالقياس فهو حق، لأن القياس حق في الشرع على القطع.
وعند هذا نبدي ما هو السر؟ فنقول: قياس الطرد صحيح، والمعنى به: التعليل بالوصف الذي لا يناسب، على الحد الذي قدمناه في بيان المناسبات.
وعند هذا، ربما تنفر طباع بني الزمان عن سماع [مثل] هذا الكلام، لكثرة ما قرع مسامعهم: من التشنيعات على الطردية وأصحابها. فيعتقد [به] السامع أن هذا مذهب مبتدع خارج عن أقاويل أكابر العلماء، وأنه لا دليل عليه.
ونحن نقيم الدليل عليه، ونبين أنه مقول به عند أكابر العلماء: كالشافعي وأبي حنيفة ومالك -﵃، ونبين أن المشنعين على أرباب
[ ٣٠٩ ]
الطرد- من علماء العصر القريب: كأبي زيد ﵀، وأستاذي إمام الحرمين - ﵁ - من القائلين به، إلا أن إمام الحرمين كان يعبر عن الطرد الذي لا يناسب: بالشبه، ويقول: الطرد باطل، والشبه صحيح. وأبو زيد يعبر [عن الطرد: بالمخيل، وعن الشبه: بالمؤثر] ويقول: المخيل باطل، والمؤثر صحيح، وقد بينا بأمثلة: أنه [أراد] بالمؤثر ما أردناه بالمخيل.
وسنين بالأمثلة أن الذين قالوا بالشبه وأنكروا الطرد، فقد أرادوا بالشبه ما أردنا بالطرد. وإنما انقسام الوصف إلى قسمين: مناسب كما ذكرناه وغير مناسب.
فالمناسب حجة وفاقا، ومنهم من لقبه: بالمؤثر، وأنكر المخيل. حتى ظن فريق وقوع الاختلاف بين الجنسين، وإنما المختلف: العبارة لا المعنى.
وغير المناسب- أيضا- حجة: إذا دل عليه الدليل، وقد لقبه فريق: بالشبه، حيث اضطروا إلى القول به. حتى يتخيل متخيل أن الشبه غير الطرد، والطرد غير الشبه، ولو سئلوا عن الفرق: اعترفوا بأنهم لا يحسبون بينهما فرقا محققا، وإنما يرددون ألفاظا لا حاصل وراءها.
[ ٣١٠ ]