وإلى هذا يرجع ما يجوز التمسك به؛ وكل مثال نذكره ففيه دليل على قبوله: إذا أظهرنا وجه الرأي فيه. ويشهد على جنس ذلك أمر كلي، [وهو مثال منقول عن الصحابة: اشتهر بين أئمتهم، وتطابقوا عليه]. وذلك [ما روى]: أن الناس لما تتابعوا في شرب الخمر، واستحقروا الحد المشرع فيه - جمع عمر - ﵁ - الصحابة، واستشارهم [واستطلع آرائهم]، فضربوا فيه بسهام الرأي؛ حتى قال علي - ﵁ -: "من شرب سكر، ومن سكر هذي، ومن هذى افترى؛ فأرى عليه حد المفترى". فأخذوا بقوله واستصوبوه واستمروا عليه. وهذه هي المصلحة المرسلة التي يجوز اتباع مثلها.
[ ٢١٢ ]
فإن قيل: شرطتم في المصالح أن تكون ملائمة؛ وليست هذه ملائمة: فالشرب جناية متميزة عن القذف، وليست كل من يسكر يقذف؛ فايجاب حد جريمة على من [لم يجترمها] أمر غريب [في الشرع]، ولا يشهد له نظير، ولا تلائمه قاعدة.
قلنا: ليس الأمر كذلك؛ فإنهم أبوا أولًا أن يعاقبوه بعقوبة لم تعهد مشروعة من جهة الشرع؛ ولو كانوا يسوغون ذلك: لما افتقروا إلى التشبيه بحد مشروع ولو كل ذلك إلى رأي الولاة حتى يفعل [كل وال] في كل شخص ما يراه زاجرًا في حقه، لائقا بحاله، جامعا لمصلحته؛ فطلبوا أولا حدا مشروعا، وتشوفوا فيه إلى أحط الدرجات في الحدود: اكتفاء بالأقل ما أمكن. ففي شرع العقوبات نوع من الخطر، وألفوا أقل على من لم [يجترمها]: ما لم يطلبوا مناسبة بين جريمته وبين تلك الجريمة؛ فإن ذلك يؤدي إلى إبداع أمر غريب لا يلائم [نظائر] الشرع، فطلبوا المناسبة، بأن قالوا: من سكر وهذى، ومن هذى افترى؛ فعليه حد المفترى: من حيث أن السكر مظنة الهذيان والافتراء وإطلاق اللسان بالسخف. وقد عهد في الشرع إقامة مظان الأمور مقام الأمور المقصودة: في إفادة الأحكام؛ فأقيم النوم - الذي هو مظنة خروج الحدث - مقام الحدث،
[ ٢١٣ ]
و"العينان وكاء السه" فإذا نامت العينان: استطلق الهواء، ثم - سواء استطلق [الوكاء] أو لم يستطلق - ثبت حكم الحدث، ووجب الوضوء.
وكذلك تغييب الحشفة مظنة نزول الماء، فعلق به وجوب الغل وإن لم ينزل مع قوله السلام: "الماء من الماء" فكان وجوبه من مظنة الماء، كوجوبه من الماء، فكان مساقه: أن من غيب الحشفة أنزل، ومن أنزل اغتسل؛ فمن غيب اغتسل. وأن من نام أحدث، ومن أحدث توضأ؛ فمن نام توضأ. [كقوله بعينه]: من سكر هذى ومن هذى افترى.
وكذلك القول في إقامة مظنة العقل مقال العقل، وهو: البلوغ، وإقامة مظنة شغل الرحم مقام شغل الرحم: في إيجاب العدة، وهو الوطء.
[ولو ذهبنا نستقصى نظائر ذلك لسودنا به أوراقا، ولم نذكر منها إلا أطرافًا وآحادًا].
[ ٢١٤ ]
فطلبهم هذه المناسبة هي الدلالة [الظاهرة] على أنهم لم يروا الاختراع للمصالح؛ بل تشوفوا إلى التصرف في موارد الشرع، بضروب من التقريب والمناسبة.
فإن قيل: ومن سكر اقتحم جميع الفواحش؛ فلم خصص القذف بالاعتبار؟
قلنا: لمعنيين، أحدهما: التشوف إلى الأقل؛ والثاني: أن خاصية السكر الهذيان وانطلاق اللسان؛ فإنه الفاحشة اللازمة لذات السكران، التي تستتب من غير أداة منفصلة، وآلة زائدة عليه. فالزنا والسرقة والقتل، كل ذلك: يتعلق بالغير، ولا يستتب إلا بأنواع من الحيل عمادها الحزم والعقل. ولا ينتظم ذلك من السكران. فأما الهذيان، فهو الذي يغلب على السكران. فاختلال العقل لا يمنع انطلاق اللسان؛ [وأخص الفواحش بالسكر: الهذيان، والجناية المخصوصة باللسان]؛ فكان مظنة له بهذا الطريق.
فإن قيل: فالردة من فواحش اللسان، ومن جملة الهذيان؛ وقل ما ينفك عن اللهج به من غلبه السكر.
قلنا: لم يجعل مظنة له من وجهين:
أحدهما: أن الواجب بها القتل، وهو أعلى العقوبات، وشرع
[ ٢١٥ ]
القتل خطر عظيم؛ ووقع جناية السكر في الشرع، دون وقع الردة بدرجات، ولا هجوم على سفك الدم [٣٦ - أ] لمقصود الزجر، مع العلم بحصول الزجر - غالبًا - بما دون القتل.
والآخر: أن عقوبة الردة تسقط بالتوبة؛ والسكران يعاقب بعد الإفاقة؛ وهو في الحال ليس مرتدا، ومن ليس بمرتد لا يقتل وإن سبقت منه الردة، فكيف يقتل: إذا سبقت منه مظنتها؟، وبه يتبين أن عقوبة الردة ليست حدا بإزاء الجريمة؛ وإنما هو إرهاق إلى العود إلى الإسلام؛ فإن عاد: خلى سبيله. فلابد من طلب المناسبة مع حد تجب [عليه] عقوبة.
فإن قيل: قد شرطتم في المصلحة المرسلة أن لا تتضمن تغير النص؛ ولقد كان حد الشرب في الشرع أربعين، فزادوا عليه بالمصلحة، فكان ذلك تغييرا للنص.
قلنا: ليس الأمر كذلك؛ فلم يكن حد الشرب مقدرا في الشرع، بل "أتى النبي - ﵇ - بشارب، فأمر حتى ضرب بالنعال وأطراف الثياب وحثى عليه التراب". ولما آل الأمر إلى أبي
[ ٢١٦ ]
بكر - ﵁ -: قدر ذلك بأربعين؛ ورآه قريبا مما كان يأمر به النبي - ﵇ -، وحكم بذلك عمر مدة؛ ثم توالت عليه الكتب من أطراف البلاد، بتتابع الناس في الفساد وشرب الخمر، واستحقار هذا القدر من الزجر، فجرى ما جرى في معرض الاستصلاح: تحقيقا لزجر الفساق.
فإن قيل: فما ذكرتموه -: من أمثلة الشرع في إقامة المظنة مقام الشيء - أصول لهذا القياس؛ فيرجع النظر إلى رد فرع إلى أصل، بمعنى مناسب جامع، وليس ذلك استدلالا مرسلا.
قلنا: كل مصلحة ملائمة، فيتصور إيرادها في قالب قياس بجمع متكلف: يعتمد التسوية في قضية عامة لا تتعرض لعين الحكم؛ فإن أراد السائل بما ذكره - من رد الفرع إلى الأصل، بمعنى مناسب - هذا القدر، فهو الذي نريده بالاستدلال المرسل. وكيف لا ينتظم هذا الشكل: وما من مسئلة إلا ويمكن أن يقال: هذه مصلحة على وجه كذا، فينبغي أن تراعي قياسا على مسئلة كذا؛ والمصلحة عبارة تشتمل قضايا مختلفة؛ فيندرج تحتها المتباعدات، وتنتظم بالتحرير فيها صورة القياس.
[ ٢١٧ ]
وهذا غير منكر جريانه في الاستدلال المرسل. وإنما نعني بالقياس تعدية حكم بعينه من محل النص، إلى غير محل النص - بعلة هي الموجبة [للحكم] في محل النص. وهذا لا يساعد في [مثل] هذه الأمثلة، ولا يمتنع - بعدم مساعدتها - الاستدلال. فهذا هو المراد.
ووجهه في مسألتنا؛ أن الحكم المنظور فيه: [وجوب] ثمانين جلدة؛ ومحل النص فيه القذف، وشكل القياس أن يقال: وجب ثمانون جلدة في القذف لعلة كذا، وتلك العلة بعينها موجودة في شرب الخمر؛ فتجب تلك الجلدات.
ولن يستتب ذلك؛ فإن موجب الثمانين القذف: لكونه جناية على عرض الغير؛ وليس في شرب الخمر [وإيجاره في الحلق وإجرائه إلى المعدة]، نعرض لعرض الغير: [بالجناية]. فعلة محل الاتفاق - في هذا الحكم - لا تشهد لهذا الحكم في محل النظر، وهو: الفرع، فهذا ما أردناه [وقد لاح الغرض، و] بان المراد بالجمع بين شرط الملاءمة، وإبقاء الاستدلال مرسلا من غير أصل معين يشهد [بعلته للحكم] المعين.
وعلى الجملة: ليس من غرضنا تقرير عين هذه المسئلة؛ وإنما
[ ٢١٨ ]