فإن قال قائل: قال الله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ الآية، وقد ذكرتم أن ترتيب الحكم على الفعل بفاء التعقيب، مشعر بالتسبيب، وهذه الآية تدل على كون الصلاة سببًا لوجوب الوضوء؛ والإجماع منعقد على أن الوضوء يجب بالحدث، وإن القائم إلى الصلاة -إذا كان متوضئًا غير محدث -لا وضوء عليه؛ وهو إخراج للصلاة عن كونها سببًا؛ وقد ذكرتم: أن أصل الايماء في [مثل] ذلك صريح في أصل التعليل، وإن احتمل الإحالة إلى معنى يتضمنه السبب، وليس هذا إحالة إلى معنى [معنى يتضمنه] المذكور، بل هو قطع له عن سببه بالكلية؟
فالجواب أن الوضوء إنما يجب للصلاة؛ ولذلك لا يجب على
[ ٩٧ ]
المحدث أن يتوضأ قبل وجوب الصلاة عليه؛ فلا تخرج الصلاة عن كونها سببًا، ولكنها سبب في حق المحدث لا في حق المتوضئ، ومعناه: إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون، فاغسلوا وجوهكم.
والعلل المفهومة بالإيماء تحتمل التخصيص بالشرائط والمحال، وليس في تخصيصها بشرط دلت الدلال عليه إبطال لها. وهذا كالتعليل بالسرقة من قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾، ثم خصص ذلك بالنصاب، ولم يكن إبطالًا للتعليل. وتعرف الأدلة المخصصة للعلل بالمحال والشروط، بما يعرف به تخصيص الألفاظ: من إجماع، ونص، وقياس جلي وغيره.
فقد نقل: «أن رسول الله -ﷺكان يصلي صلوات بوضوء واحد» فعلم أن الصلاة [سبب لوجوب الوضوء على المحدث].
نعم: يبقى على الناظر نظر في [أن الحدث سبب للوجوب عند الصلاة، أو الصلاة سبب] في حق المحدث، وأن الجاري [منهما] مجرى
[ ٩٨ ]
العلة، والجاري مجرى [المحل و] الشرط -ماذا؟
وعلى الأحوال كيف ما كان، فلابد من اعتبار الصلاة وإبقائه معتبرًا في الحكم -شرطًا أو سببًا. وفيه الوفاء بموجب الإيماء؛ لأن الشرط أيضًا مؤثر في الحكم ولكن بواسطة العلة؛ فلم يكن التخصيص والترتيب بفاء التعقيب لغوًا من الكلام، بكل حال.
والأولى عندي أن يقال: الصلاة سبب لوجوب الوضوء، والحدث سبب لانتقاضه؛ فالأحداث نواقض، والصلوات أسباب، ثم من توضأ للقيام للصلاة فهو ممتثل، وله أن يؤدي به صلوات، ولا يتكرر عليه الخطاب بعدد آحاد الصلوات، ولكن معناه: إذا أردتم الصلاة فاغسلوا، أي جنس الصلاة، فما دام المصلي بهذه الطهارة فحكم امتثاله مستمر لا يتجدد عليه الأمر إلا إذا انتقضت طهارته بحدث [ظاهر] ناقض؛ فعند ذلك ينقطع حكم الامتثال السابق. فإرادة الصلاة [بعده] والقيام إليها يوجب الوضوء.
وقد قال قائلون: من أحدث قبل دخول وقت الصلاة وجبت عليه الطهارة وجوبًا موسعًا إلى وقت الصلاة.
وقال آخرون: لا، بل ابتدأ الوجوب بدخول وقت الصلاة، ولكن في حق المحدث وهذا هو الأولى.
[ ٩٩ ]