قرابة الأبوة فيما لها أثر فيه، فينبغي أن يرجح فيما لا أثر لها [فيه]؟
فهذا السؤال صحيح وإن كان عليه صيغة المطالبة؛ لأنه اشتمل على التنبيه على ما يطرق إشكالًا على الجمع، فإن هذا الوصف له أثر [في الميراث] فلا يبعد أن يكون معتبرًا في الترجيح [فيه]. فقد نبه على الفرق ولكن على صيغة المطالبة، وهو الأحسن في إيراد [هذا] السؤال، والأبعد عن الانتهاض للابتداء والتمهيد، والتصدي للذب عن صحة دعوى يذكرها في معرض فرق مطرد منعكس، يطالب بتصحيح كلا طرفيه.
فإذا ذكر هذا السؤال، فعلى المناظر المعلل أن يعترض عليه بما يفسده. فإن عجز: كان منقطعًا. وهذا الجنس جار في جميع الأقيسة.
فأما المطالبة المحضة -بعد تسليم تأثير الوصف في الحكم في الأصل -فهو دعاء إلى تخصيص العلل بمواردها. وهو حسم لباب القياس.
خيال وتنبيه:
فإن قال قائل: حاصل هذا المسك راجع إلى أن الإجماع أظهر تأثيرًا لمعنى في حكم، فليكن مؤثرًا في جنسه. وللمنازع أن يقول: أنا قائل بموجبه، وهو مؤثر في جنسه؛ ولكن ما الدليل على أن محل النزاع
[ ١١٨ ]
[من] جنس محل الوفاق؟ فلابد من إقامة الدليل عليه، والخصم لا يسلم أن ولاية النكاح -في استحقاق التقدم فيه -من جنس الميراث، ولا أن ولاية البضع -في حق الصغير -من جنس ولاية المال، ولا أن الصداق -في التأثير بالجهالة] ٢٢ - أ [من جنس الثمن، ولا أن الإقرار -في حق المريض -من جنس التبرع، وهلم جرا إلى نظائره.
ولو لم يطالب بإقامة الدليل على ذلك [واكتفى]-بما ادعاه -من التأثير فيما زعم بتحكمه أنه من جنسه -لا تسع مسلك التعليل والإلحاق، ولجاز إبعاد النجعة بالتأليف بين المتباعدات. فيقول القائل ضربًا للمثل: ظهر تأثير الحلول في إبطال الكتابة على أصل الشافعي، فيلكن مؤثرًا في إبطال السلم، من غير إقامة دليل على أنه من جنسه. ويقول أيضًا: ظهر تأثير التفرق قبل القبض في إبطال بيع المطعوم بالمطعوم؛ فليظهر في الثياب وسائر الأموال. وكذلك في حكم تحريم الفضل والنساء. وكذلك يقول: الحج يقضى عن الميت، لأنه دين كما قاله رسول الله ﷺ. فتقضى الصلاة والصوم كذلك. إلى غير ذلك:
[ ١١٩ ]
من أمور بعيدة لا من ارتكابها في نصرة هذا المسلك، ولا وجه لها.
فالجواب: أن إقامة البرهان على تجانس الحكمين ليس في المقدور؛ لأن المجانسة تثبت بالاشتراك في جميع الصفات، وانتفاء الصفات الفارقة. وذلك غير متصور؛ فإنه إذا ظهر الاشتراك في صفات، تبقى [صفات فارقة ظاهرة، وتحتمل] صفات فارقة خفية: ينسب مدعي انتفائها إلى التحكم بما لا يعرف.
وفي هذا السؤال -أيضًا -حسم باب القياس، كما في التخصيص بالمحل والشخص والزمان والمكان في الأمثلة التي ضربناها. ولكن لو فوض إليه التحكم بدعوى الجنسية: للزم منه نوع آخر من التحرف والاتساع. فإنما الحكم الفصل، والفيصل العدل؛ إبانة التساوي في المناسبة، وبه تنقطع المطالبة.
وبيانه أن نقول: قدم الشرع الأخ من الأب والأم على الأخ من الأب، في الميراث. وليس هو على مذاق التحكمات الجامدة، التي
[ ١٢٠ ]
لا تلائم مسالك العقول في رعاية العدل والنصفة والنظر للجوانب؛ بل عقل أن تقديمه لاختصاصه بهذه المزية المخصوصة من القرابة. فهو سبب الترجيح والتقديم. وهو معنى يناسب التقديم، ويتقاضاه ويستدعيه. ومناسبته للتقديم في ولاية النكاح، كهي في الميراث. فإن التقدم والتقديم والسبب المقدم لا يختلف بما فيه التقديم؛ وإنما الاختصاص يناسب التقديم مطلقًا في كل ما يتصور فيه التساوي والتفضيل.
وهذا القدر من التقدير يغلب على الظن الاجتماع، وتنقطع به المطالبة، وعلى الخصم بعده أن ينبه على وجه الفرق، كقوله: إن قرابة الأم لها مدخل في الوارثة، ولا مدخل لها في ولاية النكاح. [فتأثيرها في الترجيح فيما لها فيه مدخل، لا يدل على تأثيرها في الترجيح فيما لا مدخل لها فيه].
فيقول القائس: لا مدخل لقرابة الأم في العصوبة؛ وهذا ترجيح [في الميراث] بطريق العصوبة. فيقول المعترض: الفرض والتعصيب طريقان في الميراث؛ فله -على الجملة -مدخل في جنس الميراث.
فيقول القائس: إنها -مع كونها مؤثرة في الفرض -ساقطة التأثير في أصل العصوبة؛ فكيف اعتبرت في الترجيح [بالعصوبة في
[ ١٢١ ]
الميراث]؟
كذلك يتجاذبان أهداب النظر، وتجري مراتب الكلام على مسالك معقولة المرام، متسقة النظام، فأما الجمود على المطالبة بعد إبداء المشاركة في المناسبة [فـ] لا وجه له.
وكذلك الحنفي [إذا قال] في الثيب الصغيرة: إنها صغيرة فيولي] ٢٢ - ب [عليها كالبكر؛ وطولب بإثبات الوصف -فيقول: ظهر تأثير الصغر في ولاية المال؛ وولاية البضع من جنس ولاية المال.
فإذا قيل: لم قلت: إنه من جنس ولاية المال؟، كفاه أن يقول: هو من جنسه في مناسبة الصغر إياه؛ لأن التصرف في البضع كالتصرف في المال، لارتباط قوام مصلحة المعيشة [به]؛ والصغر نوع عجز يستدعي نصب قوام مشفق يتولى ما يتعلق بالمصلحة. ففي هذه المناسبة تستوي الولايتان، وليس ربط ولاية المال بالصغر خارجًا عن المعقول، بل هو معقول، وسببه ما ذكرناه.
فعلى الشافعي -بعد ذلك -النزول عن المطالبة، والتنبيه على وجه
[ ١٢٢ ]
الفرق بين الولايتين، أما من جهة الإيماء في إضافة هذه الولاية إلى البكارة والثيابة في الأحاديث الواردة؛ [أو] [إلى] الإجماع على تأثير الرضاء في ولاية البضع بالبكارة، دون ولاية المال. يعني [به] الاكتفاء بالصمت؛ أو إلى المناسبة في إفادة الثيابة نوع ممارسة توجب قطع الإجبار عنها. إلى غير ذلك: من طرق الكلام في تلك المسألة.
وكذلك: إذا قال الحنفي في مسألة غرماء الصحة والمرض: إن إقراره في المرض يفوت حق الغرماء، فيبطل في حقهم كالهبة؛ فطولب بالإثبات- يكفيه أن يثبت بالسير أن الهبة امتنعت لحقهم [فينبغي أن يمتنع الإقرار].
فإذا سلم له ذلك وقيل له: لم قلت: أن الهبة إذا امتنعت لحقهم، ينبغي أن يمنع الإقرار؟ كان السؤال ساقطا بعد استواء الهبة والاقرار في المناسبة، لآن المقصود عصمة حقوقهم؛ والإقرار كالهبة في التفويت.
فعلى الشافعي أن ينبه على وجه الفرق، بأن يقول مثلا: حق الغريم أثر في منع المريض من الهبة المستغنى عنها؛ فلم يؤثر في المنع من الإقرار المفتقر إليه دينا وشرعا وعرفا؟
[ ١٢٣ ]
فيقول الحنفي: إذا ظهر أن المانع حقوق الغرماء، استوى في الممنوع به المحتاج إليه والمستغنى عنه؛ كما في الرهم والتركة: إذا تعلق بها الدين.
فيقول الشافعي: حق الغريم ليس كهبة الحقوق، فإنه لا يمنعه من صرفه إلى أوطاره وأغراضه، وأثمان الجواري واستيلادهن، ومهور النساء مع الاستغناء عنهن؛ لأن ذلك في مظنة الحاجة، وكذلك الإقرار ملتحق بها، وينقطع عن الهبة.
فهذا تدرج النظر، وترتيب الفكر. فأما المطالبة، فمنقطعة ببيان الاستواء في المناسبة. كما سبق.
وأما ما أوردناه- من الأمثلة في تقرير هذا الخيال- فسبيل دفعها أن يقال:
أما قول القائل: الحلول أثر في إفساد الكتابة، فليؤثر في إفساد السلم- فهو باطل لأن هذا القدر ينتقض بالبيع وسائر العقود التي لا يشترط فيها الأجل. وإذا قيد بما هو احتراز: توجهت المطالبة بابداء الاستواء في المناسبة.
فإن أبدى: يأن كل واحد عقد إرفاق شرع في حق عاجز بالرق
[ ١٢٤ ]
والإفلاس؛ والرفق ينتفي بالحلول- كان هذا على شكل القياس، وانقطعت عنه المطالبة، ولزم أن يعترض عليه إما بالقرض، أو بالفرق بين السلم والكتابة، أو أنه لا قائل لهذا المذهب [٢٣ - أ] وهو: التسوية بين العقدين في الصحة والبطلان؛ فإن كل واحد من الفريقين فرق بينهما، إلا أن يصدر من مذهب ذي مذهب، فيعترض عليه [بطريقة] لا بالمطالبة.
وأما القول القائل: التفرق قبل القبض أبطل بيع الطعام بالطعام، فليبطل غيره [فهو] تحكم، ولا يمكنه ابداء الاشتراك في المناسبة.
وأبو حنيفة لا يقول باشتراط التقابض إلا في النقود، ويعلل ذلك [بالتحرز] عن بيع الكالئ بالكالئ، ولا يطرد ذلك في سائر الأعيان.
والشافعي يعلل تحريم المطعوم بسبب الطعم ومناسبته لتقييد طريق تحصيله بمزيد شرط وتضييق؛ فالمطالبة متوجهة على هذه العلة.
وأما قول القائل: إن الصوم دين كالحج، فيقضي عن الميت- فهو على شكل القياس. وكيف لا، وقد علل رسول اللهﷺ-
[ ١٢٥ ]