خيال وتنبيه:
فإن قال قائل: من قدم الأخ من الأب والأم، على الأخ من الأب باختصاصه بالقرابة المخصوصة، مطالب بإثبات العلة؛ ولا يغنيه قوله: إن هذا يؤثر بالاتفاق في التوريث. إذ يقال: إذا سلم لك تأثيره [في التوريث والتقديم فيه] فلم ينبغي أن يؤثر في التقديم في ولاية النكاح؟ وهل وقع النزاع إلا فيه؟
وكذلك يقال للحنفي إذا علل بالصغر: إنه إن سلم لك تأثير الصغر في ولاية المال وفي حق الابن، فلم قلت [إنه] ينبغي أن يؤثر في ولاية البضع وفي حق الثيب؟ وهل النزاع إلا فيه؟. وهلم جرا إلى جميع الأمثلة التي أوردتموها [فإن المعلل لا يخلو إما أن يكون أظهر] تأثيرها في عين الحكم المتنازع فيه، أو في حكم آخر يزعم أنه من جنسه. فإن ظهر تأثيره في عين الحكم المتنازع فيه: لم يتصور الخلاف معه؛ إذ الوصف إذا اتفق على كونه مؤثرًا [في إيجاب حكم، كيف يحكم بتخلف الحكم عنه من وافق على كونه مؤثرًا] فيه؟ وهل لموافقته على كونه مؤثرًا فيه معنى سوى ثبوت الحكم [به] وترتبه عليه؟ وإنما يتصور إظهار الوفاق في غير محل النزاع.
[ ١١٤ ]
وكذلك الجهل: ظهر أثره في إفساد العوض في عقد البيع؛ فلم ينبغي أن يؤثر في [إفساد] الصداق [في عقد النكاح]؟. وحق الغير: ظهر تأثيره [في الحجر] في الهبة في حق المريض، فلم ينبغي أن يؤثر في الحجر في الإقرار؟ فما وجه التقصي عن هذه المطالبة؟
الجواب: أن هذه المطالبة ساقطة [العبرة] باتفاق القائمين. وفي قبولها حسم باب القياس، فإن التعليل: لتعدية الحكم المنصوص [عليه] إلى غير محل النص.
وهذا السؤال يرد على العلل الثابتة بالنص والإيماء وطرق التنبيهات. فيقال: إذا حرم البيع في وقت النداء لكونه تركا للسعي الواجب، فلم يحرم النكاح والإجارة؟ وإن سلم كون ترك السعي موجبًا تحريم البيع، فلم يوجب تحريم النكاح؟ وأي بعدٍ في أن يحرم ترك السعي بالبيع، ولا يحرم بالنكاح؟.
ويترقى من هذا إلى التخصيص بالشخص والزمان [والمكان]، فيقال: إذا أثر الزنا في حق ماعز، فلم يؤثر في حق غيره؟ وأثر الجماع في إيجاب الكفارة في حق الأعرابي، فلم يؤثر في حق غيره؟
[ ١١٥ ]
فإن قيل: ظهر على القطع أن لا اختصاص للحكم [بالأعيان والمكان والزمان؛ وعرف هذا بأدلة قطعية في الشرع].
قلنا: [لا مستند] فيه إلا معرفتنا بإتباع الأحكام الأسباب المؤثرة فيها. فأنا لا نقتصر على إلغاء الزمان والمكان، فقد قال الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، فمالكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ الآية. ورد ذلك في حق المؤمنات، ويلحق بهم الكافرات؛ لأنه فهم السبب، وهو: الطلاق قبل المسيس، فإذا كان سببًا لسقوط العدة في حق المؤمنة، فكذلك يكون في حق الكافرة.
وكذلك قال تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، فإن ذلك في اللمس والغائط، ونحن نطرد ذلك في البول] ٢١ - ب [والنوم والمذي والمني وجميع الجهات. لأنه فهم بالإيماء أن السبب: فقد الماء، فاتبعنا السبب دون المحل.
وعلى الجملة: مثل هذا السؤال يظهر من منكري القياس، وينجر بهم إلى إنكار هذه الأمثلة، وهو خروج عن إجماع الصحابة واتفاق العلماء. وكل ذلك باطل، لأن المعنى المؤثر إذا ظهر: قضت العقول
[ ١١٦ ]
باتباعه وقطع النظر عن المحال والصور.
فإن قيل: أليس ينقدح في الفرق بين التقدم في الميراث، والتقدم في ولاية النكاح -أن يقال: لقرابة الأم مدخل في الإرث، فأثرت في الترجيح؛ وليس لقرابة الأم مدخل في ولاية النكاح؟
قلنا: [القياس لا يحسم] باب الفرق على المعترض، ولكن إبداء التأثير يحسم [عليه] باب المطالبة، ويرهقه إلى بيان مفارقة بين المحلين، بعد جريان الاشتراك فيما ظهر تأثيره. والنظر في هذا يتعلق بالمجتهد، وبالمناظر:
أما المجتهد، فعليه أن يبحث عن مدارك الفرق بين الميراث [وبين] ولاية البضع، بطريق السبر والتفحص عما يعن له من الخيال. فإذا لم يظهر له فرق: فقد سلم جمعه عن المعارضة، فيحكم به. وإن ظهر [له] الفرق: نزل ذلك منزلة المعارضة إذا ظهرت.
وأما المناظر، فليس عليه -في النظر -التعرض لانحسام مداراك الفرق، بعد إبانة الاشتراك في الوصف المؤثر: لأن الاشتراك في الوصف المؤثر غلب على الظن الاجتماع؛ فعلى الخصم إبداء ما يقابله. أما المطالبة المحضة، دون التنبيه على وجه الإشكال في الفرق، فساقط.
فإن قيل: لم قلت: إن [مزية] قرابة الأمومة إذا رجح
[ ١١٧ ]