وتبين أنها لا تزيد على المعنى] الخاص [الذي قدره موجبًا له، فإذا لم يزد عليه: انقطعت المناسبة.
فهذا بيان مراتب المناسبات وطرقها، ودرجاتها وأمثلتها.
فإن قيل:] قد [ذكرتم حقيقة المناسب وأجناسه وأنواعه؛ فما الدليل على كونه طريقًا إلى التعليل ومعرفا؟
قلنا: هذا هو المقصود بالكلام؛ ولكنا قدمنا الأمثلة: إذا لا يعرف وجه دلالة الدليل من لم يعرف الدليل بنفسه؛ ومناسبة المعنى دليل على كون الحكم ثابا ومعلقا عليه.
فنقول أولا: لسنا نعرف خلافا -بين الفقهاء القائسين -في قبول المناسب على التفسير الذي ذكرناه؛ والمعنى بالمخيل هو المناسب.
وما ذكره أبو زيد: من أن الاخالة لا يمكن الدلالة عليها مع الخصم؛ فالظن به أنه عنى بذلك ما يرجع إلى شهادة القلب، ووقوع في النفس: يجري مجرى الإلهام الذي يضيق نطاق العبارة عنه.
وما ذكرناه -من المناسب- خارج عن الفن الذي ذكره؛ وهو الذي نعنيه بالمخيل أيضا: اذا أطلقناه. ودليل قبوله ما هو الدليل على قبول القياس ×× الذي قدمناه؛ ودليل قبولهما جميعا دليل أصل القياس، وهو: إجماع الصحابة.
[ ١٧٧ ]
والظن بأبي زيد أنه أراد ××: المناسب الملائم؛ ولم يشترط التأثير على التمثيل الذي قدمناه، بل اكتفى بالمناسبة مع الملائمة.
ويشهد لذلك ما ضربه: من الأمثلة للقياس؛ إذا قال:] قال [النبي ﵇: "أنها من الطوافين عليكم والطوافات"، على لسقوط النجاسة: بضرورة] الطوف علينا [؛ وللضرورات تأثير في إسقاط حكم الخطاب. وهذا ما نعنيه بالمناسبة؛ فإن الحاجة داعية إلى المخالطة، فوق ذلك على الرتبة الثانية من المناسبات التي ذكرناها. وهذا ملائم مجانس لتصرفات الشرع في توسيع الأمر، في مظان الحاجات.
ومن أمثلة قوله في مسح الرأس: أنه مسح، فلا يسن تثليثه كمسح الخف.
[ ١٧٨ ]
فهذا سماه مؤثرا؛ وهو واقع في التربة الأخيرة من المناسبات التي] ذكرنا أمثلتها [. ويكاد] ٣١ - أ [يلتحق -عند تمام البحث- بشبه مجرد، أو بمناسبة اقناعية ضعيفة.
وبيانه] هو أن يقال له [: ولم عللت سقوط التكرار في الأصل بكونه مسحا؟ ويطلب بإبداء أثره.
فان قال: لأن المسح في ذاته أخف من الغسل، ويلحق الناس في الغسل -من المشقة- ما لا يلحقهم في المسح؛ ولأن صفة المسح قد أثرت في إيجاب تخفيف هذا الركن، متى قوبل بالغسل في حق استيعاب محله. هذا ما ذكره أبو زيد في إبداء تأثيره.
ففيه نظر: إذا نسلم أن المسح في ذاته أخف] من الغسل [ولكن: لم يمتنع تكريره؟ وما وجه المناسبة؟ وأين ظهر في الشرع -لخفة الذات- تأثر في منع التكرار؟
[ ١٧٩ ]
يبقى قوله: انه ظهر تأثيره في التخفيف حيث لم يجب استيعاب محله؛ وهذا ×× إلى إظهار] أثر [عين العلة في جنس الحكم المتنازع فيه، وهو: التخفيف، فيقول: إذا عهد المسح مؤثرا في التخفيف من هذا الوجه_: ظهر كونه مؤثرا في الوجه الآخر من التخفيف.
فيقال: ومن سلم أن ذلك من أثر كونه مسحا؟ وبم عرفت ذلك: ولم يظهر إلا حكم مقرون بوصف؟ فلم جعلته معللا بذلك الوصف: وليس فيه نص ولا إجماع؟ وبم تنكر على من يقول: المسح على الرأس اكتفى فيه بالأقل: مما ينطلق عليه الاسم، لأنه واقع على الرأس؛ فهذا علته؟.
فان قال: يبطل بالمسح على الخف، فانه يساويه في الحكم، وليس واقعًا على الرأس.
قيل: هذا عكس، وليس بنقض؛ والعلة فيه: كونه على الخف؛ ويجوز إثبات الحكم في محلين بعلتين.
فان قال: وأي مناسبة -لكونه على الرأس، أو على الخف- في الاقتصار] على البعض [؟ قلنا: فهذا اعتراف بأن طريق المعرفة: المناسبة. فإذا ظهر مناسبة المسح للحكم، ولم تظهر مناسبة هذه الأوصاف، وجب التعليل بالمناسب؛ وإلا: فمن يتمكن من إبداء نص أو إجماع في
[ ١٨٠ ]
تعليل الحكم بكونه مسحا؟!. وإنما الطريق هي: المناسبة؛ فطلب التأثير، وطلب المناسبة واحد؛ وهما عبارتان عن معنى واحد. فأما الاقتصار، في الاستدلال، على إثبات العلة بالإجماع أو بالنص -فلا وجه له.
وهذه العبارة تداولها ×× من أبي زيد، وهو أن العلة: ما ظهر تأثيره بالنص أو الإجماع. وهذه الأمثلة لا تصير على هذه الترجمة، بل يضطرون إلى تفسير التأثير: بالمناسبة؛ ثم يكتفون بمناسبة ضعيفة؛ ومناسبة المسح للتخفيف في غاية الضعف، وحاصله يرجع إلى أنه خفيف بذاته، فينبغي أن يخف حكمه؛ وهذا تحكم محض، يكاد يلتحق] بأنواع الاقناعيات من [المناسبات، ويتقاعد عنه، وأي بعد في أن يقال: الاقتصار على الأقل نوع تخفيف لا تعقل علته، وليس ذلك لكونه مسحا؟
وان أرادوا الإنصاف، فسببه: أن المسح من المصادر التي لا تقتضي الاستيعاب في اللسان، بخلاف الغسل، فهذا مستنده.
وليس من غرضنا عين تلك المسئلة؛ وإنما غرضنا اضطراره -بهذا المثال- إلى القول بالمخيل المناسب، والمنع من الاقتصار -في إثبات العلة-
[ ١٨١ ]
على الاستدلال بالنص أو الإجماع؛ فإن ذلك يعز وجوده في المسائل القياسية.
مثاله الآخر] قوله [: أنا متى قلنا: نكاح الأمة -مع طول الحرة- يجوز: لأنه معنى يجوز معه هذا النكاح للعبد؛ فيجوز للحر: قياسا على] الجهل بالغنا [ووجود حرة رضيت بغير مهر.
سمى هذا مؤثرا، وأورده في أمثلة المؤثرات، وأين يتصور ها هنا إثبات العلة] وتأثيرها [بنص أو بإجماع؟
والمطالبة عليه أن يقال: ولم قلت: أن ما لا يمنع العبد لا يصلح أن يكون مانعًا في حق الحر؟ ومن سلم أن] الجهل بالغنا [لا يمنع الحر لأنه لم يمنع العبد؟] بل لم [يمنع العبد: لأنه لم يمنع الحر،] بل [لم يمنع كل واحد منهما] لدليل دل [عليهما على وجه واحد. وهو الإنصاف.
[ ١٨٢ ]
فإن قال: لأن الشرع بني جواز النكاح على الحل، ونصف حكمه بالرق، وجواز] ٣٢ - ب [للحر أربع نساء، وللعبد اثنتين؛ فبقى العبد في النصف، على ما عليه الحر في الكل؛ فلا يفترقان إلا في هذا القدر، ويستويان فيما بقى. هذا ما ذكره أبو زيد من تأثيره.
فهو تحكم. أما الفرق في العدد، فمسلم.
وأما قوله: بقى في الباقي مسوايا للعبد؛ فتحكم في محل النزاع، وليس ذلك مسلما، وعليه إقامة الدليل.
فان قال: استويا في] الجهل بالغنا [، فليستويا في القدرة.
قلنا: لم قلت ذلك، ولم يبعد أن يستويا من وجه ويفترقا من وجه، كما في العدد وغيره؟ وإنما استويا -فيما استويا فيه- لاقتضاء الدليل التسوية، لا لاستوائهما في حكم آخر. فما الدليل المقتضي التسوية ها هنا؟
فالمطالبة لا تنقطع عن هذا الكلام أبد الدهر، لأنه حاول تعليل
[ ١٨٣ ]
النفي الأصلي بعلة مؤثرة موجبة؛ وذلك محال كما سنشرحه من بعد. وإنما النافي يستدل أما بعموم أو بدلالة، أو] بسير حاصر لمدارك [الإثبات ونفيه. فإن الشافعي يجعل القدرة على الطول مانعًا؛ فهو المدعى، وكونه مانعًا يفتقر إلى موجب ومقتضى؛ فأما عدم كونه مانعا -وهو البقاء على الأصل- فلا يقتضي موجبا، بلا يكتفي فيه بانتفاء الدليل المغير، وإنما يستدل -في هذا الجنس- بعموم، كقوله تعالى "وانكحوا الأيامى منكم" مثلا؛ إلى أن يبين المدعى أن هذا مخصوص بالموانع، وأن القدرة من] جملة [الموانع. فذكر مأخذه، أو يستدل بطريق الدلالة] عليه [فيقول: لو منع الحر. فهذا الجنس من الدليل جار في النفي، ولكنه -في هذا المقام لا ينفك عن المطالبة. أو يستدل ×× -وهو الطريق الجاري في جميع هذه الأجناس-
[ ١٨٤ ]
فيقول: كونه مانعا إنما يتلقى من السمع، أو من القياس، ووجهه في القياس: افضاؤه إلى الارقاق، أو اقتباسه من منع الحرة تحته نكاح أمة. وهذه الطرق باطلة. وإذا انتفى دليل على تأثيره في المنع، لم يؤثر.
فهذا هو الطريق في أجناس ذلك، كما سنذكره. وغرضنا الآن أن نقول: من اجتزأ بمثل هذا الكلام، فكيف يحسن منه أن يترجم مذهبه في العلل، بأن العلة: ما دل النص أو الإجماع على كونه علة. فدل أنه في جميع ذلك يتشوف إلى المناسبة، وقد يشترط معها الملائمة. فكلامه -في هذه الأمثلة- يرجع إلى إظهار الملائمة، وهو مراده بالتأثير. ولذلك أورده في أمثلته عن الشافعي: أن النكاح ليس بمال، فلا يثبت بشهادة النساء وقال: هذا] مؤثر [، لأن المال خلق بذلة،
[ ١٨٥ ]
فتكثر فيه] وجوه [المعاملة؛ وفي تقييد الأمر فيه بالرجال نوع حرج، وهذا ما نعنيه بالمناسب] الملائم. وكذلك قال الشافعي: الزنا فعل يرجم عليه، فلا يساوي النكاح الذي يحمد عليه: في حرمة المصاهرة وقال: هذا مؤثر، وهذا الذي نعنيه بالمناسب [، كما تقدم.
وأما ما نقله -من أمثلة المؤثر، عن أبي حنيفة، أنه قال: المحجور] عليه [اذا استودع فاستهلك الوديعة- لا يضمن، لأنه لما أودعه: فقد سلطه عليه. وزعم أن هذا مؤثر -فالأمر على ما قال؛ ولكنه ليس من قبيل اثبات وصف علة الأصل، فإن هذا الكلام لا يفتقر إلى أصل لو ثبت؛ فليس هو على شكل هذا القياس] الذي حددناه: بالجمع بين الأصل والفرع برابطة [] ٣٢ - أ [وإنما هو
[ ١٨٦ ]
من قبيل دخول التفصيل تحت الجملة.
وسنذكر جنس هذا الدليل؛ وحاصله يرجع إلى أن التسليط مسقط، والإيداع ها هنا تسليط: فكان مسقطا؛ فهما مقدمتان ونتيجة، لا يتصور الخلاف في النتيجة مع تسليم المقدمات، وهو كقولنا: كل حيوان نام وكل انسان حيوان: فكل انسان نام. ومثاله من الفقه: كل مغصوب مضمون، والعقار مغصوب، فكان مضمونا.
فليس هذا على شكل القياس الذي نحن فيه؛ وإنما محل النظر إثبات الغصب في العقار؛ ومأخذه طلب حد الغصب؛ وذلك لا يعرف من القياس؛ ومحل النظر في الإيداع بيان] أن [الإيداع] تسليط [، ومأخذه طلب حد التسليط؛ ولا يؤخذ ذلك من القياس.
ومن هذا القبيل، ما أورده من قول أبي حنيفة: إذا اشترى نصف أبيه لم يغرم للبائع؛ لأنه أعتق برضاه.
وكذلك ما أورده] عن محمد بن الحسن، من قوله [، إذا قال لزوجته: إذا دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا، ثم طلقها ثلاثا، ثم عادت إليه، ثم دخلت] الدار [لا تطلق، لأنه حيث طلقها ثلاثا فقد
[ ١٨٧ ]