وإذا قال: «دخل فلان وقال: أفطرت يا رسول الله، فقال ﵇: «كفر»؛ أشعر قوله «فقال» إنه قال جوابًا فهمه بقرينة الحال، فصار كما لو قال الراوي: «فأجابه الرسول ﷺ وقال: «كفر»، ولو نقل صريح الجواب: لفهم التعليل. فإذا قال: «فقال كفر» نبه على أن ما ذكره جواب ولو لم [يكن] جوابًا: لكان نظم الكلام من الراوي] ٨ - أ [خبطًا؛ كقوله من يقول ابتداء: من أفطر فعليه كفارة؛ ثم قال: لم أرد وجوب الكفارة بالإفطار. فينسب إلى الخبط في الكلام، والعدول عن الطريق الموضوع المتقرر في الأفهام.
فإن قيل: فما وجه الإنكار على أبي حنيفة ﵀، إذ قال: «الراوي إذا لم يكن فقيهًا، وروى ما يخالف القياس -لم يقبل وإن كان عدلًا» وما ذكرتموه يقرر مذهبه ويوجهه؛ فإن المناسبة -إذا انتهضت -قرينة؛ حتى لم يكن ذكر الكفارة عقيب ذكر السائل حكاية منام -ضربًا للمثل -كذكره عقيب الإفطار الذي هو جناية جدير بأن يمحى
[ ٣٦ ]
ويكفر، في فهم الحاضر المشاهد. بل إذا جرى عقيب منام حكاه السائل، فهم [أنه ذكره وابتدأ كلامًا]: اعتمادًا على معرفة سابقة بينه وبين المخاطب. وإذا كان مناسبًا، فهم أنه جواب. فهذا يختص بدركه الفقيه المطلع على المناسبات الشرعية، والمعاني الملائمة لمعتبرات الشرع، والعادات المدركة منه في مصادر أموره وموارده. فأما العامي: فقد ينخدع بخيالٍ يظنه مناسبًا، وليس كذلك. فالعدالة لا تعني في هذا المقام، بل لابد من الفقه والعلم ودرك مآخذ الشرع. فإذا نقله العامي، فلينظر: فإن وجد موافقًا لقياس الشرع عمل به؛ لأنه عدل في النقل، وما أدركناه من موافقة القياس [عدلٌ دل على فهمه] أيضًا، وأن ما فهمه كان على وجهه. وإن خالف القياس: ترك عليه، وتطرقت إليه الشبهة؟.
قلنا: أبو حنيفة ﵀ يطرد هذا فيما ينقله الراوي من تمهيدات الشرع وابتداآته، كقوله ﵇: «من اشرى مصراة فهو بخير النظرين» إلى آخره. ولا يجري ما ذكره فيه. فإن حفظ الكلام
[ ٣٧ ]
ونقله على وجهه، لا يفتقر إلا إلى العقل والحفظ والعدالة المانعة من التغيير، فكذلك الجواب والخطاب.
وأما ارتباط أحدهما بالآخر فيفهم بالقرائن، ويشترك في دركها كل من له حس سليم، وعقل مستقيم لا خبل ولا عته فيه. ولسنا ننكر مع ذلك تفاوت الناس في درك الأمور؛ ولكن ذلك أمر لا ينضبط؛ فيتطرق إلى العوام فيما يوافق القياس؛ فإنهم يتفاوتون أيضًا في فهمه، وليست القرائن مقصورة على المناسبات.
ويتطرق أيضًا إلى الفقهاء فيما ينقلونه على مخالفة القياس. ولذلك قال ﵇: «نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها؛ فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه». وقوله ﵇، أفقه منه: أشعر بكونه فقيهًا في نفسه، وبين أن المعاني يتفاوت دركها من الألفاظ، بتفاوت الناس في مراتب الفقه، مع الاشتراك في أصل الفقه. والظن بالعدل المتدين أن لا ينقل الشيء إلا كما سمعه، وإن غيره فلا يغيره إلا إذا
[ ٣٨ ]