وكذلك لا يبعد قول القائل: إن قياس الشبه- على الحد الذي تقدم في مسئلة الربا- في محل الاجتهاد، وليس مقطوعا [به]، وهذا- الذي ذكرناه الآن- القول به مقطوع به؛ بل يضطر إليه كل ناظر متقبل للشرع.
ثم الترجيح في [مثل] هذا المقام، بين المناطين للحكم، قد يكون بالذات كقولهم: النفسية أصل والمالية عارض: إذا يبقى بعد العتق إنسانا، ولا تبقى المالية مع فوات الإنسانية. وقد يرجع بالالتفات إلى الأحكام، كقول أصحابنا: أن البدل مصروف إلى السيد؛ ترجيحا لقضية المالية، ورعاية لجبر جانبه، فليرع في القدر ما يحصل به الجبر، كما روعي في الأصل ذلك، إلى نظائر لذلك هو من مسالك الفقهاء، وقد استقصيناها في مواضعها. وقد لاح انفصال هذا- أيضا- عن الشبه الضعيف الذي قدمناه، وإن كان ذلك- أيضا- مقولا به.
وقد نقل عن أبي هاشم أنه قال: لا يجوز أن يثبت بالقياس إلا حكم
[ ٤٠٣ ]
ورد الشرع بجملته، فيدخل بالقياس تفصيل تحت الجملة الثابتة، حتى لو لم يثبت ميراث الجد والأخ على الجملة نصا، لما جاز الخوض في ميراثهما عند الاجتماع بالقياس.
وظني أنه أراد بما ذكره استثناء القاعدة التي نحن فيها، عن محل إنكاره من المقاييس. فإنه ثبت جملة أن بدل الدم مقدر، وأن بدل لدال غير مقدر؛ ونحن- على أي وجه ترددنا- لم ننحكم بما لم يرد الشرع بجملته؛ بل أدخلنا واحدا مفصلا تحت جملة سابقة معلومة بالشرع. فبهذا يتبين انقطاع هذا عن الشبه المذكور الممثل بعلة الربا، وهو واضح لا شك فيه. وإذا عقل وجه الفرق: فلا حرج في إطلاق لفظ الشبه [٥٩ - ب]، فهو صالح لأن يطلق على كل قياس.
ومثال القسم الآخر- وهو: المركب المزاج في ذاته من العلامتين والمناطين للحكم- قولنا: أن [حكم] اللعان مشوب مركب من شائبة اليمين والشهادة؛ لأنه يتقيد بقوله: أشهد، ويتقيد بالحلف الذي يتضمن تصديق الحالف؛ فإذا سنح حكم في اللعان: لا يتوافق فيه اليمين والشهادة؛ وجب الترجيح بالتغليب لأحد الشائبتين.
وكذلك إذا قلنا: إن حد القذف مركب من حق الله ﷿،
[ ٤٠٤ ]
وحق الآدمي. ففيه شائبتان؛ والكفارة مركبة من العقوبة والعبادة؛ وزكاة الفطر مركبة من المؤونة والعبادة؛ والظهار مركب من الطلاق والقذف.
فإذا اتفق حكم هذه الشوائب: لم تشتبه، وإذا تناقضت: وجب النظر إلى الغالب. ويعرف الغالب مرة بالنظر إلى الذات، والبحث عن خاصية [نفس] كل ركن قدر شائبة. وقد يعرف بكثرة الأحكام، وقد يعرف بوجود حكم خاص قوي في الشهادة للمقصد المعلوم. وكل ذلك يعلم بطلب من هذه المسالك: إذا فقدت المعاني المناسبة.
وغرضنا أنها إذا فقدت: فالأخذ من هذه الجهات واجب بالإتقان بين القائسين. وليس ذلك واقعا في محل الخلاف المقدم في قياس الشبه السابق: لأن مناط الحكم معلوم بالإجماع، وقد وجد على مزاج التركيب، فهو كمتولد من أصلين مختلفين، ومتركب في المحسوسات من لونين يعرف بالحس أن الغالب عليه أيهما، فكذلك يعرف بالنظر في هذا المقام. وقد يتقابل الأمر فيتوقف المجتهد، كما تردد الرأي في أن الظهار إذا تكرر على التوالي هل يتعدد حكمه؟
[ ٤٠٥ ]
والقذف إذا تكرر لم يتكرر حكمه، وهو خبز زور كالقذف؛ والطلاق إذا تكرر: تكرر حكمه، والظهار من طلاق الجاهلية وهو سبب للتحريم؛ وقد تصرف الشرع فيه بنوع من التغيير. ويمكن إلحاق هذا المثال بالشبه السابق؛ فإنه ليس يتبين أن علامة التكرار كونه طلاقا، وأن علامة عدم التكرار كونه قذفا؛ فإن كان: فالظهار ليس طلاقا ولا قذفا. ولكنه جنس آخر: شابه القذف بصيغته، وهو: أنه كلمة زور؛ وشابه الطلاق بحكمه، وهو: أنه سبب للتحريم.
فإذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق؛ تكرر حكمه. وإذا قال: أنت زان أنت زان، أنت زان؛ لم يتكرر حكمه. فإذا قال: أنت علي كظهر أمي، أنت علي كظهر أمي [أنت علي كظهر أمي] فهو دائر بين [هاذين] الأصلين، وقد قررنا عدم العثور على علة تناسب التكرار وعدمه؛ فالوجه أن يقابل الطلاق بالقذف، وتطلب علامة
[ ٤٠٦ ]
فارقة: إذا لم نعثر على مناسب فارق. ونعرض الظهار على تلك العلامة. ويلتحق هذا الوجه- من التمثيل- بالشبه الذي تقدم وإنما غرضنا أن المركب تحقيقا يجب الحكم فيه بطريق التغليب، فلو [أنكرنا القول] بالشبه السابق لوجب القول بهذا الجنس.
فإن قيل: فما وجه غلبة الظن فيه؟
قلنا: إذا ثبت أن إحدى الشائبتين أغلب، فثبوت الحكم على وفقها أغلب على الظن من ثبوت الحكم على وفق الشائبة المغلوبة؛ لأنا نقدر المناط الشرعي متضمنا لوجه في المصلحة واللطف غاب عنا، ونقدره مقرونا بالعلامة والمناط الظاهر، فإذا غلب ذلك المناط: كان ذلك دليلا على غلبة المصلحة التي هي في ضمنه، بحسب غلبتها.
نعم: لا ننكر- من حيث التجويز- احتمال تغير المصلحة بهذا التركيب؛ ولكن كما نتوهم تغير مصلحة العلامة الغالبة، نتوهم- أيضا- تغير مصلحة العلامة المغلوبة. والتغيير إلى المغلوب أقرب، وبه أولى: إذ نقدر وجود حيزين من المصلحة بحسب وجود العلامتين؛ فنقدر غلبة مصلحة العلامة الغالبة، على مصلحة العلامة المغلوبة؛ فابتاعه أغلب عند المقابلة بمعارضة المغلوب في جواره. وإنما الغموض في بيان وجه
[ ٤٠٧ ]
التغليب. فأما بعد وضوحه، فلا غموض في وجوب إتباعه.
فإن قيل: إنما أثبت الشرع الحكم عند اتحاد مزاج المناط والعلامة؛ فإذا تركب كان المركب واقعة أخرى غير المفرد؛ فلم تكن إضافة الحكم إلى المناط فيه واجبا، فمن يدعي وجوب طلب العلامة، فعليه الدليل. وعند ذلك يلتحق القول بالشبه الذي قدمتموه؛ إذ تطرق النزاع إلى المقدمة الأولى، كما سبق.
قلنا: ليس الأمر كذلك، فإن وجوب طلب المناط ها هنا ظاهر، لأن الحكم متناقض، والتخلية عنهما غير ممكن، والجمع غير ممكن، والتخصيص لا يعقل إلا بالترجيح؛ فكانت هذه الضرورة ظاهرة في وجوب طلب الترجيح. لا كواقعة الربا: إذ لا ضرورة في طلب علامة بعد معرفة الحكم باسمه؛ ولم يتركب الجص من أصلين: عرف [٦٠ - أ] ارتباط الحكم بأحدهما على القطع في الشرع؛ حتى يتعين تغليبه. فكان هذا من فن لا ينازع فيه المنكرون للشبه، ولا تسعهم المنازعة فيه.
والدليل على أن الاحتمال الأغلب يجب إتباعه في هذا الجنس، ما روى عنهﷺ- أنه قال لفاطمة بنت أبي حبيش وقد استحيضت: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي
[ ٤٠٨ ]
عنك الدم وصلي». وهذا لا يقال إلا لمن تميز بين الدمين بلون السواد، على ما عرف؛ وهو علامة على الحيض تميزه عن الاستحاضة، وليست قاطعة، ولكنها علامة ظاهرة تحتذى، ويشبه ذلك قياس المعنى المناسب: فإن العلة المناسبة تحتذى وتتبع وجودا وعدما.
وقد روى أنه﵇- قال لأخرى حين استفتت لها أم سلمة رضوان الله عليها: «لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، ثم لتغتسل ولتستتفر بثوب ولتصل». وإنما قال ذلك لمن أعوزها التمييز. وهو مشبه بقياس غلبة الشبه، فإن العادة تحتمل التغيير؛ ولكن- مع ذلك- الاستمرار أغلب من التغيير؛ فرد إلى الأغلب، وترك الاحتمال
[ ٤٠٩ ]
المغلوب بالإضافة إليه.
وقال ﷺ لحمنة بنت جحش وقد استحيضت: تحيضي في علم الله ستا أو سبعا، كما تحيض النساء ويطهرن لميقات حيضهن وطهرهن»، وهذه كانت قد أعوزها التمييز والعادة؛ فردت إلى عادة النساء: لأن الموافقة أغلب على الطباع- مع اتحاد الإقليم والبلد- من المخالفة، والمخالفة- أيضا- غالبة ليست نادرة؛ ولكنها- بالإضافة إلى الموافقة- مغلوبة، وهذه رتبة دون الرد إلى عادتها، والرد إلى عادتها دون الرد إلى التمييز. وكل ذلك إتباع للظن، وهو شاهد لصحة إتباع الأغلب في تغليب الشوائب: من حيث أن الحيض عرف حكمه نصا، والاستحاضة عرف حكمها نصا؛ ووقتها بعد مجاوزة يوم وليلة من أول الاستحاضة إلى خمسة عشر [يوما]، متردد محتمل للحيض والاستحاضة، فأمرنا أن نأخذ بأغلب الاحتمالات عند الاشتباه. وهو راجع إلى تمييز مناط عن مناط، معلومين بالشرع بالظن الغالب، فهو يشهد لهذا الجنس. وقد يشهد أيضا- من بعد- الشبه الذي ذكرناه في مسئلة الربا- وهو المختلف فيه بين العلماء- بعد ما ثبت وجوب طلب
[ ٤١٠ ]