أن يجعل الوصف الحادث علمًا على الحكم متبعًا، كما في ترتيب الجواب من الشارع على الواقعة، وكما في الترتيب اللفظي بفاء التعقيب، فإن الإضافة إلى الشرط [لفظًا] جائز، كما يجوز إلى العلة، ولكن الأصل: أن المضاف إليه هو الموجب، إلى أن يظهر وصف هو أولى بالإيجاب منه، فكذلك ما نحن فيه.
فإن قيل: إذا جوزتم أن يعلل بالوصف الحادث وإن كان لا يناسب، فم ينكر العلل على المعترض إذا قال له: سلمت لك أنه سبب، ولكنه سبب في هذا المحلل على الخصوص، كقوله: سلمت [لك] أن الشدة سبب، ولكن السبب شدة عصير العنب، [فبم تنكر عليه]: وغايتك أن تقول: هذا تخصيص بوصف أو بمحل لا مدخل له ولا تأثير له في إيجاب الحكم؛ على معنى أنه لا يناسب، فأصل الوصف - أيضًا - غير [٤٥ - أ] مناسب، وإضافة الحكم إليه على مذاق التحكمات التي لا تعقل، ولا فرق بينه وبين التخصيص بهذا المحل. وفيه ما يمنع الإنتفاع بجنس هذا التعليل، ويقصر الحكم على محل النص والإجماع؟.
وهذا هو السؤال الأعظم على هذه القاعدة، [و] في دفعة تمهيد هذا الأصل وتقريره.
قلنا: نتكلم على هذا السؤال، من وجهين:
أحدهما: هو أن يقال: يجب على المعلل أن يبين أن هذا الحكم ليس
[ ٢٨٤ ]
مخصوصًا بالمحل ومقتصرًا على الذات [التي فيها] الإجماع؛ وإذا بطل ذلك: وجبت الإضافة إلى صفة متعدية. فبطل به الاختصاص. وهذا كقولنا: صوم مفروض، فيفتقر إلى التبييت كالقضاء. فيقول الخصم: لا مناسبة لكونه مفروضًا؛ أن علة وجوب التبييت في القضاء كونه مفروضًا، وهو لا يناسب؟ [لا]، بل العلة فيه كونه قضاء، حتى يقتصر عليه. فيقال: وبالإجماع التبييت ليس مخصوصًا بوصف كونه قضاء، فإن النذر والكفاءة وسائر الصيام يشترط فيه التبييت؛ فبطل التخصيص بالمحل والذات، ووجب التعليل بوصف يتعدى.
وكذلك إذا قلنا: أن المستعير يضمن، لأنه أثبت يده على مال غيره لغرض نفسه، من غير استحقاق؛ فيضمن كالمستام. فقيل لنا: هذا الوصف
[ ٢٨٥ ]
ليس علة في المستام؛ لأنه لا يناسب، فينبغي أن يقال: أنه غير معقول، ليس علة في السنسام؛ لأنه لا يناسب، فينبغي أن يقال: أنه غير معقول، أو هو مخصوص بمحله وصورته، وهو: يد السوم، فيقال: وبالإجماع ضمان الأيدي غير مقصود على يد السو؛ إذ هو جار في يد الشراء، ويد المستعير من الغاصب، ويد المودع إذا جحد، ويد الغاصب وغيره، فاجتمع أمران، أحدهما: وجوب التعليل؛ [والآخر] الإضافة إلى الوصف الحادث: لأن الحكم حدث بحدوث وصف، وهذا مما يجب تعليله؛ فقد كان الرجل بريء الذمة، تضمن بالأخذ؛ فأضيف إلى الأخذ، ووجب سير صفاته؛ وامتنع تخصيصه بمحله بالإجماع. لذلك فلم يبطل تعليلنا به: لأن ذلك متفوض بالإجماع؛ وكل وصف انتقض بالإجماع فقد بان بالإجماع أنه ليس مناطًا للحكم؛ حتى [لو] عللنا الضمان في يد السوم: بأنه إثبات يد على مال الغير؛ وتركنا خصوص جهة السوم - لبطل بيد الوديعة؛ فلابد أن نزيد، فتقول: أثبت إليه لغرض نفسه؛ احترازًا عن الوديعة. وهو أيضًا منقوض بيد الإجارة، فلابد وأن نزيد قولنا: من غير استحقاق؛ فاستقام التعليل بهذا القدر - وإن كان لا يناسب -: من حيث أن الحكم [حدث] مع حدوث سبب فعرف
[ ٢٨٦ ]
ارتباطه [به]. فنظرنا في تنقيح المناط وتهذيبه وتحديده، فاستقام ما ذكرناه بعد وجوب التعدية من محل الإجماع - وهو [جهة] السوم - بطريق المناقضة التي ذكرناها.
نعم: لو اقتبس الخصم من يد السوم وصفًا آخر: يطر له أيضًا، ولا يتنقض، ولا يتعدى إلى العارية - كان مقاومًا معارضًا لكلامنا، وعلينا الترجيح.
وهذا كقوله: ان المستام إنما ضمن: لأنه أخذ بجهة الشراء، والشراء جهة ضمان: والمأخوذ على جهة الشيء: كالمأخوذ على حقيقته؛ وتعدى هذا إلى يد الرهن، وتقطع عنه يد العارية. فهذا يقاوم كلامنا إلى أن نرجع جانبًا بطريقه. وعلى المجتهد البحث عن هذه المعارضات وتعيين واحد منها بالترجيح؛ وليس على المعلل ذلك، بل كفاه أن يذكر وصفًا يدعي ظهوره [له] إلى أن يقابل بغيره: فيتكلم عليه.
ولا ينبغي أن يتخيل الناظر [أن النظر] في هذا المثال، استقام: لكون الأوصاف فيها مناسبة؛ إذ لا مناسبة لها؛ وإن ظن ظان أن فيها مناسبة، فهذا المنهاج جار قبل العثور على وجه المناسبة؛ فليقدر عدم المناسبة
[ ٢٨٧ ]
التي يتخيلها: فإن غرضنا المثال.
وكذلك: قاس الشافعي - ﵁ - تعذر الثمن بإفلاس المشتري، على تعذر العبد المبيع بالإباق؛ وهذا حكم واجب التعليل والإضافة: فإن الخيار حدث بحدوث الإباق، فدل أنه السبب بعينه أو بما يتضمنه، فلم يختص بإباق العيد في البيع - وهو أخص [٤٥ - ب] الصفات - إذ هو جار في إباق الجارية، وجار في نفار الدابة وطيران الطير؛ بل هو جار في غضب المنقولات؛ فوجبت التعدية، فقيل: الشامل لجميع هذه الصور: تعذر العوض. فكان الإباق علة بهذا الاعتبار؛ وقد تعذر الثمن بالإفلاس.
ثم هذا القدر يبطل بتعذر إستيفاء الصداق: فإنه لا يثبت الخيار في النكاح؛ وتعذر استيفاء البضع بالإباق لا يوجب الفسخ. فوجب أن نزيد،
[ ٢٨٨ ]
فنقول: تعذر عوض في عقد بيع، فيبطل الخصوص بالإجماع، ويجب التعليل للحدوث بحدوث الوصف، فيه يدفع السؤال.
ثم الخصم أن يقيد هذا الوصف بقيد آخر: يتعدى محل النص، ولكن لا يتعدى إلى محل النزاع، وهو أن يقول: تعذر في عين، فلا يتعدى إلى الثمن وهو دين؛ وعلينا أن نتكلم عليه بالإبطال أو الترجيح، فنقول: ليس مخصوصًا بالعين؛ إذ يتعدى إلى المسلم فيه: إذا انقطع جنسه، وهو دين؛ فيقول: تعذر في عوض مقصود هو محل العقد، والثمن ليس محلًا للعقد؛ فينكر ذلك، فنقول: بل هو محل العقد؛ فالثمن والمثمن عوضان يتعادلان عندنا، فنذهب في الاستدلال بالشواهد على كونه محل العقد، ويذهب في معارضته.
وقد يغير العبارة، ويقول: العلة تعذر في مقصود قبل القبض تعين فيه القبض؛ ويخرج عليه المسلم فيه؛ وتنعكس العلة في الثمن: فإنه لا يتعين فيه القبض؛ إذ يجوز الاعتياض عنه. فنتكلم عليه بالمنع أو بالإبطال أو بالترجيح.
هكذا تقوم مراتب النظر بين المتناظرين في الأحكام الحادثة بحدوث الأوصاف؛ وهي التي وجب إضافتها إلى الحادث، ورجع النظر إلى
[ ٢٨٩ ]