لا يناسب، كما جاز استفادة] العلم منه، وإنما الغموض في أحاد المسائل: لتعارض الصفات الجامعة والفارقة فيها، وعسر مدارك الترجيح في بعضها، وإلا فالقول بهذا الجنس يترقي إلى رتبة القطعيات، بالتقرير الذي [كنا] ذكرناه.
فإن قال قائل: فنبهونا على طريق سير العلامات الفارقة الجامعة عند تعارضها، وطريق ترجيح البعض منها على البعض، وأهم الأمثلة مسائلة الربا: فإنها معيار النظر، وعليها تدوار الأصوليين في أمثلة العلل؛ وهي من أغمض المسائل.
قلنا: الطريق فيه أن نردد النظر بين الطعم والكيل أولًا، ونقول: التعليل بالكيل باطل لوجهين، أشار الشافعي إليهما:
أحدهما: أن الكيل مثل الوزن؛ والتعليل بالوزن باطل: لأنه لو علل به، لوجب تحريم بيع الموزون بالموزون نساء، كما حرم بيع المكيل بالمكيل، وكل جنسين مختلفين اشتركا في العلة.
[ ٣٥٩ ]
والإجماع منعقد على جواز إسلام النقدين في الأشياء الموزونة من النحاس والرصاص والزعفران وغيرها، وبهذا المسلك، عرفنا وجوب التعليل لحكم الربا، إذا لو اقتصرنا على موجب الاسم، لقلنا بامتناع إسلام الدراهم [في] الموزونات، فإنه قال ﵇ عقيب ذكر الأشياء الستة الستة: «فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد».
وهذا يقتضي تحريم إسلام النقدين في الأشياء الأربعة، كما اقتضي تحريم إسلام أحد النقدين في الآخر، وأحد الأشياء الأربعة في الباقيات، ولا دليل -من حيث اللفظ -يوجب تقاطع النقدين عن الأشياء الأربعة؛ [فدل على] الرجوع إلى التعليل، وإنما معناه: فإذا اختلف الجنسان من هذه الجملة المشتركة في علامة الربا، لا من هذه الجملة المعلومة باسمها وصورتها، وهذا الإجماع نص في وجوب البحث عن العلة، والتجاوز
[ ٣٦٠ ]
عن موجب اللفظ، وكيف يتماري فيه منصف مع قول أمير المؤمنين عمر -﵁ -: أن الناس ليقولون: أن عمر أعرف الناس بأبواب الربا؛ ولو كنت عالمًا بها: لكان أحب إلى من حمر النعم؛ وإن الربا من آخر ما نزل على النبي صلي الله عليه وسلم، فمات [قبل أن] يبينه لنا، فدعوا الربا والريبة»، ولو كان الحكم يقتصر على المسميات: لما خفي على العوام؛ [فكيف عمر] مع ما اشتمل عليه اللفظ من التفصيل والتعديد، فكيف ينتهي أشكاله إلى أن ينسب عمر إلى الاختصاص بدركه من بين كافة الصحابة: وهم الغواصون في علم الشريعة، والمجتهدون في مصادرها ومواردها؟
وغرضنا الآن بطلان التعليل بالوزن، مع انعقاد الإجماع على إسلام النقدين في الموزونات.
فإن قالوا: السلم محرم بالإجماع في الثمنية أو المثمنية؛ كان ذلك تحكمًا مستحدثًا [لا أصل له] دعاهم إلى ذلك مساق مذهبهم،
[ ٣٦١ ]
ولا مستند له، وإن زعموا أنا فهمنا ذلك من الإجماع، قلنا: وهلا فهمتم من الإجماع اختصاص النقدين بعلتهما، كما فهمناه حتى لا تخرجوا إلى الضبط بالثمنية والثمنية؟
الوجه الثاني للإبطال، هو: أن التعليل بالكيل يوجب إخراج الحفنة [والحفنتين] عن حكم الربا؛ وإخراج الحلي عن ذلك، والربا جار فيهما بحكم النقص.
قال الشافعي: وما ناقض الشبه فهو المنتقض دون الشبه؛ إذا موجب الشبه جريان الربا في كل ما باسم البر والذهب، وذلك جار في القليل والحلي؛ والعجب أنهم أخرجوا القليل وأدرجوا الحلي وخاتم [٥٤ - ب] الفضة، ولم يطردوا ذلك في خواتم الحديد، فبه عرف تناقض هذا الأصل.
فإن قيل: أبو حنيفة أساء [في] التفريغ؛ فيمكن التعليل بالكيل وطرده في الجنس، وإجراء الربا في الحفنة، وذلك لا يدل على أن الكيل غير صالح.
قلنا: لا، بل استد في التفريع؛ فإنه أراد بالكيل والوزن
[ ٣٦٢ ]
اعتبارهما لا إمكانهما، حتى قال أبو يوسف: كل مصر لا يوزن فيه اللحم، فلا بأس بطابق طابقين، والحفنة والخواتم لا يعتاد فيه التقدير، فلو قيل: أنه من جنس المقدر، لتعددت العلة، ولكانت العلة في الكثير أنه مقدر، وفي القليل: أنه من جنس المقدر، ولكان كقولنا: [أن كثير] الخمر محرم بعلة الإسكار، والقليل بعلة كونه داعيًا إلى السكر؛ وهما علتان: إحداهما خفية ضعيفة، والأخرى قوية، وتقسيم البر بتعدد علته، محال لا وجه له، فهذان وجهان لإبطال مذهبه، وقد أشار الشافعي إلى وجهين آخرين، يصلحان للترجيح، لا [للا] بطال:
أحدهما: أن الطعم مقصود هذه الأشياء، ولأجه فطرت وخلقت؛
[ ٣٦٣ ]
ولما ظهر مقصودها شح الناس عليها: فباعوها مقدرًا لا جزافًا، فتقدير المقصود الخاص علامة، أولى من تقدير ما يجري مجري العاصم للمقصود، والدراهم والدنانير متميزة بمقصودها الخاص: الذي لا يعدلهما [فيه] غيرهما؛ فكون الخاصة علامة للحكم - أغلب على الظن من العدول إلى الوزن المعرف للمقدار، لأجل المشاحة في المعاملات.
الثاني: أن الكيل علامة الإباحة، فيبعد أن يكون علامة التحريم وان اختلف محله، ونحن قد عددنا علامة الإباحة وعلامة التحريم؛ وإحالة تضاد الأحكام على اختلاف العلامات أغلب على الظن من إحالتها على اختلاف المحال، مع اتحاد العلامة.
وقد ترجح أيضًا بتأييده بقوله -﵇ -: «لا تبيعوا الطعام بالطعام».
والعبارة المحررة لأصحابنا في الترجيح معروفة؛ وهي: أن علتنا سلمت عن المعارضة والمناقضة، واستندت إلى عموم أسمها، ولم تخرج عن حكم أصلها، ولم تتناقض في نفسها، وقد استقصي ذلك في التعاليق.
[ ٣٦٤ ]
[فلسنا للأطناب فيه، وإنما الغرض التنبيه على طريقه؛ فإن الترجيح من المسالك الجارية في هذه المسئلة المتعينة فيها: في بعض أطرافها].
فإن قيل: [تأيدت] علتهم بقوله -﵇ -: «إلا كيلا بكيل».
قلنا: ذلك مذكور للخلاص [من الربا]؛ وهو معتبر علامة للخلاص والإباحة.
فإن قيل: إيجاب المماثلة -في القابل للمماثلة -أولى؛ فليعلم الشرط بإمكان حصوله، فللكيل والجنسية تأثير في إظهار محل الحكم؛ فهو أولى بأن يجعل علامة عليه. ولأن الربا شرع مقرونًا بالخلاص، وفي التعليل بالطعم إجراؤه في السفرجل والبطيخ وما لا خلاص فيه.
قلنا: لهذا، ضم الشافعي في قول الكيل إلى الطعم، واعتبر اجتماعهما، وقال: قول ابن المسيب في هذا من أصح الأقاويل كما سبق نقله.
وهذا قول قوي جامع لجميع أطراف الكلام، فتكون العلامة -على هذا القول -اجتماع الأمرين. ولعله رجع في الجديد عن هذا؛ لأنه وردت أخبار في الربا في حلي الذهب، والخرز الذي يباع عددًا. فقد علم النبي -﵇طريق بيعه: في عقد اشتمل على خرز الذهب
[ ٣٦٥ ]
واللآلئ وذكرت الفضة في مسائلة مد عجوة، فعرف به أن المقصود هو المتبع، دون التقدير، وقد قررنا وجه ذلك في مسائلة الحفنة.
فإن قيل: فتدواركم على المقصود الخاص، تنبيه على متانة طريق مالك -﵁في التعليل بالقوت: فإنه الأخص.
قلنا: [لولا ورود] الملح: لكان التعليل به أخص، ولكن عدل الشافعي عنه لأجل الملح.
فأما قوله: ما يستصلح به القوت [قوت]، ففاسد: لأنه
[ ٣٦٦ ]
لا يخلو أما أن يكون علة على حيالها كالنقدية، فيلزم [على مسافة] جواز أسلام البر في الملح، وهو خلاف الإجماع، أو يقال: هو يرجع إلى القوت لاتصاله به بطريق الاستصلاح، وذلك يلزم أن يعدي إلى الحطب والتنور وما يتصل بإصلاح القوت؛ ومهما تعدي إلى ذلك على تبعية القوت، فتعديته إلى الفواكه التي تسد مسد القوت، وإلى الآدام التي تقع تبعًا للقوت: كاللحم وغيره -أولى. وعند ذلك يتداعي إلى القول بالطعم.
وإذا قال: للملح خاصية ليست لغيره، قلنا: أن لم يكون هو القوت فهو علة أخرى، فليجز إسلام الأشياء الثلاثة فيه، كما جاز إسلام النقدين في الأشياء الأربعة [٥٥ - أ] وهو خلاف الإجماع، فلولا الملح لكان ما ذكره مالك أولى وأخص.
وعلى الجملة: تعليل الأشياء الأربعة بعلة واحدة، أولى: فإنه إذا [كثرت الأصول، كان ككثرة الشواهد، فإذا] اشتركت في الطعم، كان الطعم مشهودًا له من جهة الملح أيضًا، فهذا يتبين بطريق الترجيح.
فإن قيل: فليكن تعليل أبي حنيفة بالتقدير للأشياء الستة
[ ٣٦٧ ]
أولى؛ أو ليكن تعليل ابن الماجشون بالمالية أولى.
قلنا: الوزن غير الكيل عند أبي حنيفة، كما ذكرناه، وإنما التقدير عبارة شاملة؛ ولذلك لم يتعد إلى الذرع والعد، وهو نوع تقدير، وأما [مالية ابن الماجشون] فهي أوسع الصفات وأعمها، وأبعدها عن الخاصية المقصودة، وهو مضطر إلى تجويز إسلام النقدين في غيرهما؛ وفيه التفريق في العلة، وعلى لجملة: لا تلغي أخص الصفات -مع صلاحها -بالأعم؛ فهو ليس آخذًا مذهبه من الشبه والعلامة؛ ولعله يأخذ من المنع من اجتاح المال وتفويته من غير منة ومجمدة ومثوبة، وإليه ترجع مقابلة الشيء بمثله؛ ثم يعتذر عن الجيد بالردئ، بما اعتذر أبو حنيفة به: من إسقاطه قيمة الجودة.
فإن قيل: فهلا جمعتم بين هذه العلل؟ قلنا: اعتذر ابن سريج عن هذا: بأن ذلك يخرجنا عن قول العلماء، وسنذكر مستند قول العلماء، فإن التعليل - في مثل هذا المقام - بعلتين، غير جائز إلا أن يجعل الجميع علة؛ كما قال الشافعي في قول: أن العلة هي الطعم مع التقدير؛ وقال مالك: القوت، وفيه الجمع بين الكل.
[ ٣٦٨ ]