والغرض: بيان المسالك الجارية في المسائل التي يعدها الفقهاء قياسية، لا نقلية. فأقول: هذه البراهين ثلاثة: برهان اعتلال، وبرهان استدلال، وبرهان خلف.
أما برهان الاعتلال، فهو: الجمع بين الفرع والأصل، برابطة العلة؛ كما تقدم ذكره في القياس. وشكل هذا البرهان يرجع إلى مقدمتين ونتيجة، وبيانه أنك تقول: المغصوب مضمون. فهذه مقدمة، وتقول: العقار مغصوب. فهذه مقدمة ثانية، فنتيجتهما: أن العقار مضمون. وتقول: المغصوب مضمون، وولد المغصوبة مغصوب: فكان مضمونا. وتقول: المال مضمون بالإتلاف، والمنفعة مال: فتضمن بالإتلاف. وتقول: السارق مقطوع، والنباش سارق: فكان مقطوعا. وتقول: المطعوم ربوي، والسفرجل مطعوم: فكان ربويا.
وكل ذلك راجع- في أول التمهيد- إلى دعوى دخول واحد معين، تحت جملة معلومة. وإن شئت قلت: الطعم علة الربا، والطعم موجود في السفرجل: فجرى الربا فيه. والغصب علة الضمان، وقد وجد في العقار: فوجب الضمان.
وعبارة الفقهاء- في هذا الجنس- أنه مطعوم، فأشبه البر. أو جرى فيه الربا: قياسا على البر. أو مغصوب: فيضمن كالمنقول.
وكل ذلك يرجع إلى دعوى دخول واحد معين، تحت جملة شاملة. وشكله من البراهين العقلية؛ مقدمتان ونتيجة؛ كما تقدم.
[ ٤٣٥ ]
ثم قد يفرض النزاع في المقدمة الأولى مع تسليم الثانية؛ كقول الخصم: أسلم أن السفرجل مطعوم. ولكن لا نسلم أن الطعم علة الربا، وأن المطعوم ربوي، بل بعض المطعوم ربوي لا بعلة كونه مطعوما. وقد يسلم [المقدمة] الأولى وينازع في الثانية؛ كقوله: سلمت أن الغصب علة الضمان، ولكن لا نسلم وجود الغصب في العقار وولد المغصوبة والمنفعة. وسلمت أن السرقة علة القطع، ولكن لا أسلم أن النباش سارق.
فإذا وقع النزاع في المقدمة الأولى، لم تثبت إلا بالأدلة الشرعية: فإن المتنازع فيه قضية شرعية، وهو: كون الطعم علة مثلا، فيثبت ذلك: بالنص، أو الإيماء، أو الترتيب على الواقعة، أو الحدوث بحدوث الوصف، أو بالتأثير، وهو: أن يثبت أثره في عين الحكم، في محل آخر، بنص أو إجماع، أو بالمناسبة كما تقدم، أو بالطرد والعكس، أو بالإجماع المنعقد على أنه لابد من طلب علامة، والسبر الواقع بعده في نفي علامة سوى المذكور، كما ذكرناه في مقدمات قياس الشبه. وهو يسمى علة أيضا عند أكثر الأصوليين؛ وإليها أشار كلام الشافعي في الطعم والنقدية.
أما إذا وقع النزاع في المقدمة الثانية، وهو: وجود العلة في الفرع، بعد تسليم كون الوصف علة- فهذا يعرف تارة بالحس: إن كان الوصف حسيا؛ وقد يعرف بالعرف، وقد يعرف باللغة، وقد يعرف [٦٣ - أ] بطلب الحد وتصور حقيقة الشيء في نفسه، وقد يعرف بالأدلة الشرعية النقلية.
مثال الحسي؛ قولنا في الماء الكثير المتغير بالنجاسة- إذا زال تغيره
[ ٤٣٦ ]
بوقوع التراب فيه-: أنه سبب مبطل للتغير الحاصل بالنجاسة، فصار كهبوب الريح، وطول المكث. وشكله: أن المزيل لتغير النجاسة يبطل حكم النجاسة [والتراب مزيل: فكان مبطلا. فيقول: نسلم أن المزيل للتغير مزيل حكم النجاسة]، ولكن لا نسلم أن التراب مزيل، بل هو ساتر كالزعفران والمسك. فيعلم ذلك بأدلة حسية طبيعية.
ومثال العرفي: قولنا: إن بيع الغرر باطل، وبيع الغائب غرر: فكان باطلا. فيقول: أسلم المقدمة الأولى، ولكن لا أسلم أن بيع الغائب بيع غرره فيقال: إنما يعرف هذا من العادة، فيحكم العرف فيه.
وأما مثال اللغوي، فكقولنا: العتاق يحصل بالكناية المحتملة، والطلاق محتمل للعتاق: فيحصل به. فيسلم المقدمة الأولى، وينازع في الثانية، وهي: كون الطلاق محتملا للعتاق، فيطلب من مدارك الكنايات ومآخذ التجاوزات والاستعارات.
وأما ما يثبت بالنقل، <فـ> كإثباتنا كون النباش سارقًا، بقول عائشة ﵂ «سارق أمواتنا كسارق أحيائنا» وإثباتنا
[ ٤٣٧ ]
[كون] العقار مغصوبا، بقوله﵇-: «من غصب قيد شبر من الأرض» الحديث. وإثباتنا كون اللائط زانيا، بقوله ﷺ: «إذا أتى الرجل فهما زانيان». وشكل القياس فيه: [أن] الزنا موجب للحد، واللائط زان، فوجب عليه الحد.
وأما ما يعرف بتصور ذات الشيء، وطلب حده الجامع المانع- < فـ > كقولنا: ولد المغصوب مغصوبا، لأن حد الغصب: إثبات يد عادية على المال على وجه تقصير يد المالك [عنه]؛ وقد جرى. فربما ينازع في هذا الحد وصحته، وربما يسلم، وينكر من وجود في ولد المغصوب، ويقول: ليس اليد عادية، ذا لا مانع من جهته أو لم تقصر يد
[ ٤٣٨ ]
المالك عنه، فإنه غير دافع له عنه. فيثبت منعه بالتسبب: بإثبات اليد على الأصل، ويستشهد عليه بولد الصيد. ويثبت قصور يد الملك: بيان ثبوت يد الغاصب، وأن يد الملك منتفية شرعا لثبوت يده؛ فالانتفاء كالزوال.
فإذا نوزع في أصل الحد، وقيل: لا، بل الغصب عبارة: عن إثبات يد تزيل يد المالك؛ ولا يد للمالك على الولد ولا على المنفعة حتى تزال- الغصب أو حكمه، حاصل دون تقدير الزوال؛ كالمودع إذا جحد الوديعة، فإنه لم يزل يدا ومع ذلك جعل غاصبا. فهذا ترتيب النظر في التحديات.
وقد يتصل النظر- في هذا الجنس- بتنقيح مناط الحكم؛ مثل أن نسلم أن اسم الغصب غير حاصل، ولكن مناط الضمان من الغصب: حصول اليد العادية، ونسلم أن اسم السرقة غير حاصل للنباش، ولكن مناط القطع من السرقة: أخذ مال محترم من حرز مثله، ونسلم أن اللائط ليس بزان، ولكن مناط الحد من الزاني: تضييع النساء بقضاء شهوة الفرج في الفرج. وعلى هذا يتغير شكل القياس ويرتد النزاع إلى
[ ٤٣٩ ]
المقدمة الأولى؛ إذ لا نقول على هذا الطريق: إن الزنا موجب، وإن اللائط زان؛ ولا أن السرقة موجبة، وأن النباش سارق، بل نقول: تضييع الماء بقضاء شهوة الفرج موجب، واللائط متصف بذلك. وأخذ المال المحترم من حرز مثله موجب، وقد وجد في النباش. فينازع الخصم في المقدمة الأولى، ويقول: لا أسلم أن الموجب ما ذكرته؛ بل الموجب: فعل يسمى زنا وسرقة.
فليدرك المسترشد الفرق بين المسلكين؛ فإن النزاع يتحول من مقدمة إلى مقدمة. [فهذا هو] الطريق.
وغرضنا أن [نبين أن] جميع براهين الاعتلال إلى مقدمتين ونتيجة يرجع حاصلها إلى [دعوى] علة لحكم، ودعوى وجودها في محل [النزاع]، ومحاولة ترتيب الحكم عليها.
ومثاله في العقليات: أن العلم علة كون الذات عالمة، وقد قام العلم بذات الله تعالى: فكان عالمًا. ومثاله من الحسيات، أن نقول: [أن] الحيوانية علة التغذي، والإنسان حيوان: فكان متغذيًا. وشكله من البراهين أن نقول: كل حيوان متغذ، وكل إنسان حيوان؛ فكل انسان متغذ، فلا يعقل
[ ٤٤٠ ]