أسماعهم: أن علماء الشرع يحرفون الفتاوى لأجلهم؛ وسقطت الثقة بقولهم. فلابد من المحافظة على حدود الشريعة والإعراض عن المصالح؛ فإن الفتوى بالمصلحة اجتهاد، وقد قال معاذ: - ﵁ -: أحكم بكتاب الله، ثم بسنة رسول الله - ﵇ - فإن لم أجد: أجتهد رأيي". فكيف تصادم النصوص بالمجتهدات. فهذا مثال المصلحة المناقضة للنص.
مثال آخر: فإن قال قائل: فما قولكم في الزنديق المستسر إذا تاب؟ هل تقولون: أنه يقتل للمصلحة ولا تقبل توبته؛ فإن من دينه الاستسرار والتماسك عن الإظهار تقية عند الحاجة، ولو كففنا عنه بمجرد التوبة، لم يعجز عن مثلها عند المعاودة؛ وذلك من نفس عقيدته؟ [أم هل تقولون]: أن قتله - بحكم هذه المصلحة - على خلاف نص الشرع في قوله: ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله﴾.
قلنا: هذه مسألة مجتهد فيها؛ ولسنا نقطع ببطلان أحد المذهبين، بخلاف ما ذكرناه في المثال السابق؛ ووجه الانكفاف عن قتله بين من
[ ٢٢١ ]
حيث عموم النص، ومن حيث الاعتبار بكل صنف من أصناف الكفار والمرتدين: إذا تابوا.
ووجه قتله: أن المعلوم من الشرع أن الكافر مقتول؛ ونحن نكف عن قتله بتوبته، والمعنى بتوبته: تركه الدين الباطل؛ والزنديق - بالنطق بكلمة الشهادة - ليس تاركا لدينه الباطل؛ بل هو حكم من أحكام دينه. واليهودي والنصراني وكل ملى - يعتقد النطق بكلمتي الشهادة كفرًا في دينه وتركا له؛ فإذا أسلم: فموجب دينه أنه تارك لدينه، وموجب دين الزنديق - عند شهادته - أنه مستعمل دينه.
فهذا وجه التأويل والنظر؛ وليس فيه إيجاب عقوبة بمصلحة، بل هو قتل بالكفر في حق من نعتقده كافرًا مستمرًا على كفره. وإنما النظر: في بيان أن شهادته ليس في معنى شهادة الكفار وتوبة المرتدين المنتحلين لبعض الأديان؛ لأن ذلك ترك في دينهم، وهذا استمرار في دينه، فليس هذا من قبيل شرع العقوبة بالمصلحة المجردة.
[ ٢٢٢ ]
وينقدح في مقابلة هذا النظر، أن يقال: أعرض النبي ﵇ - على المنافقين، مع تواتر الوحي بنفاقهم، وعلمهم بهم، وظهور المخايل منهم، وأنكر بناء الأمر على الباطن، وقال: "هلا شققت عن قلبه"، في الحديث المشهور. فإذا ألم المسلمون ببلد من ديار الكفار، فأسلم سكانها: وقد أظلّتهم السيوف [٣٧ - أ] وغلبهم قهر المسلمين وسطوتهم، وتناطقوا بكلمة الشهادة - كففنا عنهم سيوفنا، ورددناها عن الرقاب، إلى القراب، ونعلم قطعا أنهم لم يلهموا الهداية للدين، ولم تنشرح صدورهم لليقين؛ ولكن أقيمت كلمة الشهادة - وهو السبب الظاهر - مقام العقيدة الباطنة التي لا نطلع عليها، كدأب الشرع في نظائره.
ويمكن أن يجاب: بأن العوام والمقلدة يبنون الدين على المصلحة،
[ ٢٢٣ ]