فيتلبسون بها مختارين، وينتزعون عنها كذلك، وهم في كلا حالتيهم يعتقدون التحول من دين إلى دين. وكذلك يعتقدون الالتزام باللسان مع القهر تركا للدين؛ ولأجله يمتنع المصرّون المصمّمُون في العقائد عن النطق به. وأما المنافقون، فكان يظهر كفرهم [على النفاق] بالمخايل لا بالتصريح، ولا يجوز بناء الأمر على المخايل. وأما الزنديق، فقد جاهر بالالحاد، ثم حاول ستره بتقيه هي من صلب دينه.
فهذا مجرى النظر، وعلى الأحوال، لا تصلح المسئلة للتمثيل لما نحن فيه - بحال.
مثال آخر: فإن قال قائل: إذا نبغ بين أظهر العوام نابغة من المبتدعة، وكان يدعوهم إلى الضلالات والأهواء الباطلة، والبدع التي لا يكفر بمثلها؛ وكان لا يرعوى بالزجر، ولا يندفع شره إلا بالقتل - فهل ترون حسم مادة فساده بقتله، اتباعًا للمصلحة؟
قلنا: لا سبيل إلى قتله بحال؛ فإنه لم يجر موجب للقتل، ولا مصلحة تقتضيه، وقد شرع الشرع - في أمثال هـ الجنايات - التَّعْزِيرات، وفوَّضها إلى آراء الولاة؛ وناطها باستعوابهم؛ وإليهم زمام الأمر في الإقامة مرة والصفح أخرى، ولا ينبني ذلك على التشهي، بل ينبني على ما يلوح لهم: من المصلحة في حال الجاني، فرب إنسان تتفق
[ ٢٢٤ ]
له هفوة، وفي إقالته إياها، ما يكفه عن معاودتها، ورب لئيم لا يزيده الصفح والتجاوز إلا تماديا في الغي، وتتابعا في الفساد.
والنظر في كل ذلك يرجع إلى استصلاح الولاة. [و] المختلفون من العلماء في اتباع المصالح، لم يختلفوا في إتباع الولاة للمصالح في أمثال ذلك؛ وقد نيطت بهم نصا وإجماعا، وحُكم في تفصيلها اجتهادهم.
وغرضنا أن نبين: أن ما يجري الكلام فيه - من إثبات الأحكام بالمصالح - ليس من هذا الطريق، ولا داخلا في هذا الجنس، وإنما الوظيفة على الولاة: أن لا يزيدوا في التعزيرات على الحدود، وأن يحطوها عنها؛ وإليهم الرأي في تعيين المقادير دونها.
فلو قال قائل: رب جان لا يرعوى بالتعزير المحطوط عن الحد، فتقتضي المصلحة الزيادة عليه، وقد رأى مالك الزيادة على الحدود في التعزيرات، ولا يستقيم ضبط الأمر إلا بأنواع من السياسة هذا مقادها. وكذلك المبتدع الذي فرضناه؛ ربما لا يرعوى بالتعزير، وإنما طريق تطفية ثائرته: تطهير وجه الأرض عنه.
[ ٢٢٥ ]
فيقال له: ليس الأمر كما ظننت؛ فالحدود مقادير مقدرة من جهة الشرع، والزيادة عليها تحريف للنصوص، [ثم لا جواز لذلك بالمصلحة]. ولو فتحنا هذا الباب، وجلدنا غير الزاني: إذا بدت منه مقدمات المراودات، ومبادئ فاحشة الزنا - لرجمنا الزاني الذي ليس بمحصن للمصلحة، ولتعدينا ذلك إلى جميع الحدود؛ ولاتخذنا دأب الأكاسرة وعادة الملوك الغابرة، قدوتنا في الآيالات: تشوفا إلى رعاية المصلحة، ولا تخذ كل من له مسكة من العقل، ودربة في النظر [والفكر]- عقله: دستوره وأسوته؛ ولا نقلب الشرع ظهرًا لبسطن، حتى لا تبقى له قاعدة مرعية. وهو باطل على القطع، من وضع الشرع. فالأولون والتابعون ومن بعدهم، اتفقوا على أن التحريف للمقادير مهجور، وأن ذلك خارج عن الدين؛ والجنايات - التي ليست فيها عقوبات مقدرة - تجري من الكبائر، التي شرعت الحدود فيها، مجرى الأجزاء من الكل: فلا يساوي الجزء الكل، ولا يزيد عليه، وهي نازلة منزلة الحكومات [٣٧ - ب]: بالنسبة إلى الأروش المقدرة. والمصير إلى أن حكومة جناية على أصبع تزيد على دية الأصبع، مصادمة للتقدير. وهو باطل.
وعلى هذا يخرج المنع من قتل المبتدع؛ فإن البدع تجري كلها من
[ ٢٢٦ ]
الكفر مجرى الأجزاء من الكل؛ فلا تبلغ مبلغها في العقوبة. كيف: وإنما شرع القتل لمصلحة؛ والمصلحة: في الحاجة إلى القتل؛ والحاجة إليه: إذا لم يحصل الغرض بمساودته؛ ومقصود الزجر حاصل بالتعزيرات المشروعة: إذا أحسن الولاة في وضعها مواضعها؛ وذلك: بنصب المراقبين في الخفية على المبتدع، بعد زجره بجلدات النكال، وصب سياط التعزير عليه. فإن عاود دعوته وبدعته: عاود الإمام عقوبته؛ ولا يزال يفعل كذلك: فتزيد مجموع الضربات - الواقعة في كرات - على مبالغ الحدود؛ وذلك لا منع منه، فإن عسر عليه ذلك: فالحبس نوع من التعزيز - فيه متسع ولا منتهى له؛ وفيه الكف عن كل فساد وعادية في المستقبل - إلى أن تتبين مخايل الرشد.
ففي موضوعات الشرع - فيما تعرضت له النصوص - غنية ومندوحة عن كل وجه مخترع بالمصالح؛ وإنما يظن الحاجة إلى غير المشروع [من لم يطلع على وجوه لطف الشرع ومحاسنه، فالتعزير مشروع] والحبس إلى غير منتهى في التعزير مشروع، وفي الحبس الدائم، ومعاودة التعزيرات حالا بعد حال - ما يتضمن الزجر عن كل خبال وضلال.
[ ٢٢٧ ]