إذا سلك الخصم مسلك الفرق. ونتكلم عليه حتى يسلم لنا هذا الجمع: ولا أخالة له، وهو محض التشبيه، وهو: الطرد الذي لا يناسب، ولكن طريق إثباته: المقابلة بين الأصلين المتقابلين، وطلب الفارق والتصرف في المسألة المترددة، بالعلامة الفارقة أو الجامعة.
ولا ينبغي أن ينخدع المحصل بما يذكر في الطهارة الحكمية: من الاخالة بأنه ينبئ عن كونه تعبدا وعبادة وقربة، والقربات تفتقر إلى النيات، لأن افتقار العبادات إلى النيات لابد من تعليله بمسلك مخيل، وعند أبي حنيفة: لا فرق بين العبادات [وأمور المعاملات] في النية، فإن النية عنده تعتبر فيما لا يتعين، يجب ذلك في قضاء دين العباد، ولا يجب في رد المغصوب، ويجب في قضاء الصوم، ولا يجب في صوم رمضان، فعلى هذا يديره، فلا مناسبة بين كونها حكمية وبين الافتقار إلى النية بحال، وإنما حاصلها يرجع إلى التشبيه.
ولذلك أطلق الشافعي القول، فقال: طهارتان، فكيف تفترقان؟ استبعد أن يكون بينهما فرق معتبر، مع الاشتراك في وصف: يكاد يقوم مقام الخاصية، وهو: أن كل واحد طهارة عن حدث، فرأى
[ ٣٢٧ ]
الإضافة إلى هذا الوصف متعينا.
وكل ذلك إشارة منا إلى أن التعليل بالوصف الذي لا يناسب، مقول به من كافة العلماء: السلف منهم والخلف. فلا مضايقة في التلقيب: بالشبه والمؤثر، بعد أن لاح الغرض.
مثال آخر: اتفق الفريقان على أن يد السوم توجب الضمان، وطلب كل فريق علامة يجعلها مناطا للحكم.
فقال الشافعي: هو أخذ مال الغير لغرض نفسه، لا بالاستحقاق، محترزًا بأحد الوصفين: عن الوديعة، وبالآخر: عن الإجارة، ويد الموصي له بالمنفعة، ويد المرتهن. فكانت هذه الأوصاف- التي بها الاحتراز- علامات لا تناسب، فلم ينبغي أن يكون إثبات اليد على مال الغير لغرض نفسه- من غير استحقاق- سببا للضمان؟ فهذا لا يعرف كونه سببا [إلا بنصب الشارع إياه سببا. ولم يصرح الشارع بنصبه سببا] باعتبار هذا الضبط، وهذه العلامة. ولكن توصل إليه الشافعي بنظره والتفافته إلى المسائل، فجعله علامة.
وقال أبو حنيفة: لا، بل علامته: أنه مأخوذ على جهة الضمان، وهو الشرى، والمأخوذ على جهة الشيء، كالمأخوذ على حيقته، وخرج [عليه يد الرهن] وعكسه في العارية، فكيف يطمع في مناسبته؟ ولو عكس [وقوبل] وقيل: [لا، بل] المأخوذ على جهة الشيء، ليس
[ ٣٢٨ ]
كالمأخوذ على حقيقته، لاعتدال القولان، ولم يفترقا.
والغرض من هذا المثال: بيان القول بالوصف الذي لا يناسب، من الفريقين. ووجه تنشئة الظن منه يستقصى في تلك المسألة.
مثال آخر: حكم الشرع بضرب الدية على العاقلة، على خلاف المخيل في سائر الأموال والغرامات والكفارات. فوقع النزاع في القليل.
فقال الشافعي: القليل واجب بالجناية على النفس، فيضرب على العاقلة كالكثير، وهذا يجري مجرى العلامة الضابطة للمصلحة المجهولة: في ضرب الدية على العاقلة.
فلو قال قائل: لا، بل علامة الأصل: كونه كل بدل النفس- بطل بالأطراف.
ولو قال [قائل]: علامته كونه كثيرا مجحفا، بطل بحصص الشركاء، وقيمة العبد القليلة، وغرة الجنين.
ولو قال: علامته: كونه مقدرا، بطل بأرش الحكومات.
[ ٣٢٩ ]
وإذا بطلت هذه العلامات: سلم ما ذكرناه.
مثال أخر: أوجب الشرع في يد الحر نصف دينه. فقال الشافعي: في يد العبد نصف قيمته. ولا أخالة فيه: إذ المناسب اتباع النقصان، كما في الكل. ولكن نعلم ضرورة أن [غناء] يد العبد من العبد، [كغناء يد] الحر من الحر، وأن النسبة مستوية. زلًا يجري ذلك في البهائم. وأن قدر الشرع بدل كل الحر، فسببه: صيانته عن تحكم السوق فيه. وقد تقل القيمة مع شرف الخصال، لقلة الرغبات في الاستخدام. وهذا غير محذور في الطرف: فأن أروش الحكومات تعرف بتقدير القيمة؛ ثم تكثر بالنسبة إلى [مبلغ] الدية، فما تقتضي فيه القيمة
[ ٣٣٠ ]
دينارًا مثلًا -لكونه عشر القيمة -توجب مائة دينار. ومع هذا [يقدر؛ فعرف أن ذلك لسر] في خلقة الآدمي: اقتضى وقوع اليد من الجملة موقع النص؛ وهو في العبد كهو في الحر [٥١ - أ] فكانت هذه العلامة الخاصة مقدمة على المخيل المرسل المتسع.
مثال أخر: لأبي حنيفة -﵀ -، قوله: أن العبد تقدر قيمته كالحر، والمناسب لا يوجب التقدير مع تفاوت الخصال: كما في البهائم؛ ولكن شبهه بالحر، وهذا يدل- من مذهبه- على القول بالشبه.
فأن قيل: لا، بل هذا قول بالمؤثر؛ لأن بدل الدم مقدر، والعبد يضمن منه الدم: فكان مقدرا، فهذا من قبيل دخول تفصيل تحت جملة، ويرجع شكل الدليل فيه إلى مقدمتين ونتيجة كما قدمتموه.
قلنا: الشافعي﵀لا يسلم كون بدل الدم مقدرا؛ وإنما المقدر بدل دم الحر. وأبو حنيفة﵀يلحق العبد به: بالتشبيه. وهذه طريقة لنا في تلك المسألة؛ إذ نسلم أن العبد دم، ولكن نقول: المقدر دم الحر، ونستبدل بالعبد القليل القيمة. فيرجع النظر -عند تجاذب القول -إلى أن التقدير معلوم بعلامة الدمية، أو بعلامة الحرية؛ ويكون ذلك نظرا في العلامات دون الوقوف على المعاني. وإن سلمنا [له] [أنه ليس مقدرًا] بعلامة الدمية، فنقول: بدل
[ ٣٣١ ]
المال [غير] مقدر، وقضية الأموال والدماء متعارضة فيه. فنسلك مسلك التغليب، وتصير المسألة تشبيها من طريق أخر على ما سنذكره. طريقًا آخر لتغليب الأشباه.
ويقرب من هذا المأخذ، النزاع في أن دية العبد: هل تضرب على العاقلة؟ وهو راجع إلى تجاذب العلامات.
مثال آخر، وهو البرهان القاطع على قول زعماء القائسين، وعلماء الشرع من المتصرفين- بالتعليل بالوصف الذي لا يناسب، من غير تنصيص وإيماء من جهة الشارع؛ وأنهم سموا ذلك الوصف- وإن كان لا يناسب- علة، في اصطلاحهم، لا علامة.
وهو: تعليل الحديث الوارد في الربا -المشتمل على الأشياء الستة.
فقال الشافعي: [نعلل بالطعم والنقدية] أو الطعم والتقدير على قول. وقال أبو حنيفة: نعلل بالكيل والوزن. وقال مالك: [نعلل] بالنقدية والقوت. وكلهم اتفقوا على تعدية الحكم بهذه الأوصاف؛ وهي لا تناسب، وإنما هو الذي لقبه فريق بالطرد، وآخرون بالشبه.
فأن قيل: أبو حنيفة تلقى ذلك من قوله -ﷺ -: «وكذلك ما يكال ويوزن»؛ فكان ذلك عامًا.
[ ٣٣٢ ]
قلنا: هذا [حديث] كذب موضوع [متقول] ولم ينقل عن أبي حنيفة. وأصحابه -السابقون واللاحقون -سلكوا مسلك التعليل بالاستنباط، لا بهذه التكملة المختلفة.
فأن قيل: أبو حنيفة لا يقول بالقياس المؤثر المناسب؛ وقد أظهر تأثير الكيل كما عرف ذلك من [كلامه و] كلام أصحابه؛ وهو الذي بالغ أبو زيد في تقريره، حتى وقاه إلى مضاهاة المعقولات، وأظهر تأثيره.
وبيانه بالإيجاز: أن تحريم البيع في الأشياء الستة، ينبغي أن يتعرف مما اعتبره الشرع في موضع آخر في التحريم، وليس ذلك-في هذا المقام - إلا تحريم الفضل الذي لا مقابل له بالإجماع؛ وهو أن يقول: بعتك العبد بهذه الثوب على أن تزيد درهما. فالدرهم ربا، وهو فضل لا مقابل له، فإذا باع صاعا بصاعين؛ فالصاع الزائد فضل لا مقابل له؛ وإنما صار ذلك فضلًا: بشرط الشرع المماثلة في المقابلة، بقوله: «الحنطة بالحنطة مثلا بمثل، والفضل ربا»، ومشروط الشرع كمشروط
[ ٣٣٣ ]
العاقد؛ ثم اختص بالمقدرات المتجانسات: لأن الفضل يظهر بعد ظهور المماثة، والمماثلة تظهر بالجنسية والتقدير. ولا يظهر الفضل بين جنسين [غير مقدرين بالكيل أو الوزن]: إذ لا معيار للماثلة [فيه]. ولا يظهر بين الشعير والحنطة: إذ لا مجانسة في الصفات، فظهر الفضل المحرم بهذين الوصفين: فسميناه علة لذلك. فأما فضل الصفات فألغى الشرع قيمتها بقوله: «جيدها ورديئها سواء» وهذا أظهر مسلك في التأثير فكيف هذا شبها وتعليلا بوصف لا يناسب؟
قلنا: التبس جنس هذا الكلام على معظم أبناء الزمان، لكثرة مقدماته ومراتبه التي سلسلها: فالتبس المقصد في غمارها، ونحن نحل هذه التعقيدات، [بتسليم] جميع المقدمات؛ وهو: أن الفضل- الذي لا مقابل له- محرم، وأن ظهور الفضل بالكيل والجنسية [على] ما ذكروه. ولكن لا يظهر الفضل-في مسألتنا -ما لم تصر المماثلة
[ ٣٣٤ ]
مشروطة. وعن علته البحث؛ فلم شرطت المماثلة في بيع المتماثلات المقدرة؟ ولم لا يجوز أن نقابل صاعًا بصاعين، كذراع بذراعين، وخشبة بخشبتين؟ وهند هذا يتبين عجزهم عن إبداء التأثير؛ فيقولون: لأنه متماثل متجانس يمكن تحصيل المماثلة فيه [٥١ - ب]
قلنا: وما أمكن تحصيل المماثلة فيه، لم تشترط فيه المماثلة الممكنة؟ [وما هذا] إلا كقول القائل: ما أمكن رؤيته [تشترط رؤيته] وما أمكن قبضه يشترط قبضه في المجلس، وما أمكن نقله يشترط نقله. وهلم حرا إلى الممكنات. فتأثير التجانس والتقدير: في تحصيل شرطها الشارع؟ إن عقل سببه: فليذكر حتى يتعدى؛ وإن لم يعقل فليقتصر على مورد النص.
فتبين أن تطويلاتهم مسلمة، ولا منفعة فيها، وإنما مجرى النظر، وموقع البحث: طلب على اشتراط المماثلة فيما أمكن فيه تحصيل المماثلة؛ حتى إذا عقل ذلك المعنى: اتبع في الاقتصاد والتعدي. ولو اجتمع الأولون والآخرون على أن يذكروا فيه مناسبة: لم يجدوا إليه سبيلًا.
فأن قال قائل: لاح -على القطع -من أبي حنيفة القول بالوصف
[ ٣٣٥ ]
الذي لا يناسب والتعليل به من غير نص وإيماء. ولكن كيف يصح ذلك من الشافعي في هذه المسألة: فإنه يتمسك فيها بالإيماء، من قوله: «لا تبيعوا الطعام بالطعام»؛ وقد يتمسك [فيها] بمناسبة الحرمة لإظهار الشرف؛ بالتقييد بالشروط. كما قدمتموه في أمثلة المناسبات؟
قلنا: أما التعليق بالإيماء فقد قررنا طريقه؛ وليس مسلك الشافعي مقصورا عليه؛ فأنه علل الربا في الدراهم والدنانير، بكونها جوهري الأثمان. ولا إيماء فيه. وأما تلك المناسبة، فمن محدثات المتأخرين؛ لم يذكرها الشافعي؛ وإنما أحدثه من لم تتسع حوصلته لدرك جميع [مدارك] التعاليل، ولم يستقر قدمه في فهم قاعدة الشبه. فتشوفوا إلى خيالات هي -على التحقيق -نفاخات الصابون: تنكشف بأدنى بحث [عن] غير طائل. وقد [نبهنا على وجه] فساد [هذا المناسب بما] تقدم. ومن لم يستقل فهمه بدرك وجه الفساد في كل مناسبة: خيلت في مسئلة علة الربا من [كل] الجوانب، فلا ينتفع بكلامنا هذا، [ولا مطمع له في فهمه]: فأن درك فسادها من الجليات؛ ومن تقاعدت
[ ٣٣٦ ]
رتبته عن درك الجليات: كيف ترتقي قريحته إلى فهم الدقائق [التي لا يكشفها فضل التقرير، وإنما تدرك بجد التأمل واتقاد القريحة، بعد الانقباض عن كدورة المألوفات وشوائب التقليدات؟].
والذي يدل على أن الشافعي لم يذهب في التعليل مسلك الأخالة، فضل ذكره في كتاب الرسالة -وقد نقلناه بلفظه:
قال الشافعي: قال الله تعالى ﴿والوالدات يرصعن أولادهن﴾ الآية. وأمر النبي -﵇هذا: بأن تأخذ من مال أبي سفيان ما يكفيها وولدها [بالمعروف]؛ وكان الولد من الوالد: فأخبر على
[ ٣٣٧ ]
صلاحه في الحال التي لا يغني فيها عن نفسه. فكان الأب: إذا بلغ أن لا يغني عن نفسه بكسب ولا مال، فعلى ولده صلاحه في نفقته وكسوته. قياسًا على الولد، ولم يضيع شيئًا هو منه، كما لم يكن للوالد ذلك، والوالدان وإن بعدوا، والولد وإن سفلي -في هذا المعنى [مشتركون].
فقلنا: ينفق على كل محتاج منهم غير محترف، وله النفقة على الغني المحترف.
وذكر حكم رسول الله -﵇بأن الغلة بالضمان، وقال: فكانت الغلة لم تقع عليها صفقة البيع، فيكون لها حصة من الثمن. فكانت في ملك المشتري: في الوقت الذي لو مات فيه العبد مات من ماله، فدل أنه إنما جعلها له: لأنها حادثة في ملكه وضمانه. فقلنا كذلك في ثمر
[ ٣٣٨ ]
النخل، ولبن الماشية وصوفها، وأولادها وولد الجارية، وكل ما حدث في ملك المشتري وضمانه. وكذلك وطء الأمة الثيب وخدمتها. و«نهى النبي -﵇عن الذهب بالذهب، والورق بالورق، والتمر بالتمر، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح بالملح؛ إلا مثل بمثل، يدا بيد» فلما حرم النبي -﵇في هذه الأصناف المأكولة -التي شح الناس عليها حتى باعوها كيلًا -لمعنيين أحدهما: أن يباع منها شيء بمثله دينًا، [والآخر: زيادة أحداهما] على الآخر نقدا- كان ما كان في معناها محرمًا: قياسًا عليها، وذلك: كل ما أكل مما بيع موزونًا.
[ ٣٣٩ ]
والوزن والكيل في ذلك سواء. وذلك: كالعسل والسمن والزيت والسكر، وغيره: مما [يؤكل ويشرب] ويباع موزونًا، ولم يقس الموزون على الموزون من الذهب والورق: لأنه يجوز أن [٥٢ - أ] يشتري بالدراهم والدنانير نقدًا عسلًا وسمنًا إلى أجل؛ ولو قيس عليه: لم يجز إلا يدًا بيد، كالدنانير بالدراهم» و«أما الذهب والفضة فمحرمان في أنفسهما: لا يقاس [شيء] عليهما؛ لأنه ليس في معناها: لأنهما الأثمان والقيم إلا الديات، والمأكول المكيل محرم في نفسه، ويقاس به ما كان في معناه: من المأكول الموزون؛ لأنه في معناه».
هذا كله نقلناه من لفظ الشافعي؛ فليتأمل المنصف: ليعرف كيف علل بهذه الأوصاف التي لا تناسب، ذاهبًا إلى أن المشارك له في هذه الأوصاف في معناه، غير معرج على المناسبة والإيماء.
[ ٣٤٠ ]
ونقل أبو بكر الفارسي من لفظ ابن سريج -في مساق كلام له في تصحيح العلل بالاطراد، والسلامة عن النواقض-فضلًا، وهو قوله:
«قلت: فأن قال قائل: إذا أدعيتم أن العلل تستخرج وتصح بالسبر والنظر والاطراد في معلولاتها؛ فأن عارضها أصل يدفعها: علم فسادها؛ وأن لم يعارضها أصل: صحت فأخبروني: إذا انتزعتم علة من أصل [محللًا]، وانتزع مخالفوكم [علة محرما]، فما [الذي] جعل علتكم أولى؟ فأن أحلتم ذلك أريناكموه: زعم العراقي قي علة البر: أنه مكيل، وأن ذلك لا ينكسر، وزعم الشافعي: أنها هي الأكل، وأن ذلك يطرد».
[فأجاب عن ذلك]-بعد فصل طويل ليس من غرضنا -: «أنا نقول بالاعتلال بالأكل دون الكيل؛ فنقول: أنا تركنا جعل كل واحد-
[ ٣٤١ ]
-من هذين الأمرين -علة: [لأنه يخرجنا] عن قول العلماء الذين احتجنا إلى ترجيح قول بعضهم على بعض، ومعارضة [قول] بعضهم بقول بعض، لأن الشافعي أقتصر على الأكل، والعراقي على الكيل؛ فرجحنا هذه على تلك: بأننا وجدنا الكيل معناه معنى الوزن، ووجدنا ما حرم [من الوزن]-من الذهب والفضة -لا يدل على تحريم الموزونات؟
[وذلك: أن الذهب لا يجوز بالورق نساء، ويجوز الذهب بالموزونات نساء]».
وقرر هذا الكلام، ثم قال: «دل هذا على أن الشيء حرام لمعنى فيه، كالذهب والورق: فأنها أصل التقلب وقيم المتلفات، وفيها فرض الزكوات؛ فلم يحرما: لأن ها هنا أمرا يعرف به مقدارهما وهو: الوزن؛ بل لما فيهما: من منافع الناس التي [لا] يعدلها فيها سواهما، ومن التقلب والنقد الذي إليه مرجع المعاملة الدائرة بين الناس. وكذلك البر والشعير، إنما حرما: لأنهما الأقوات والمعاش، والغذاء
[ ٣٤٢ ]
والطعام، ثم جرد من ذلك كله الأكل، فكانت أعم الأمور، وقد ضم إليها- في وقل لأصحابنا آخر- الكيل والوزن. قال الشافعي في كتاب البيوع القديم: وروى عن ابن المسيب أنه قال: لا ربا إلا في ذهب أو روق، أو ما يكال أو يوزن: مما يؤكل أو يشرب. وقول ابن المسيب -في هذا- من أصح الأقاويل».
فهذا جملة ما أردنا نقله من لفظ الشافعي وابن سريج، ليتبين طلبة العلم -من أهل العصر -أن أرباب المذاهب بأجمعهم ذهبوا: إلى جواز التعليل بالوصف الذي لا يناسب من غير استناد إلى إيماء ونص ومناسبة.
ولو نقل كلام الشافعي وابن سريج، وكلام المتلقفين عن الشافعي -في علة الربا -لبلغ أوراقًا. ورجع كل ذلك إلى التعليل بهذه الأوصاف: من غير تعريج على مناسبة وإيماء ونص؛ وإنما المناسبات الضعيفة لفقها المحدثون الظانون: أن مدارك العلل محصورة فيها؛ المتقاعدون -ببلادتهم، وقصور هممهم -عن الإحاطة بكلام الأولين ومدارك نظرهم؛ فحصروا النظر على تخيلاتهم أقناعيه، وخيالات خطابية؛ تستمال
[ ٣٤٣ ]
بها النفوس المنخدعة بالتزويقات، وهجروا كلام الأئمة، وطمسوا مسالكهم، وزعموا: أن القياس ينحصر في المؤثر؛ ومنهم: من زاد المخيل؛ ومنهم: من زاد الشبه، ومنهم: من زاد الدلالة، والتبس مضمون هذه العبارات على جماهير فضلاء الدهر؛ فقاموا وقعدوا، وصوتوا وصعدوا؛ ولم يتحصلوا -في ضبط المراتب -على طائل.
وغرضنا الآن أن نبين نقلا من علماء الشرع -كمالك وأبي حنيفة والشافعي -﵏القول [٥٢ - ب] بالوصف الذي لا يناسب، وتسميتهم ذلك: علة، ولذلك استتب تعليل النقدين بالنقدية القاصرة؛ والشبه لا يقوم إلا بفرع وأصل. فلم يكن لهم مسلك إلا طلبهم فارقا بين النقدين وغيرهما: مما لا يجري فيه الربا. فكانت النقدية علامة سابقة إلى الفهم، سلمت عن المعارضة بما هو أولى منها، وهو مأخذ هذا الجنس من التعليل.
فأن قال قائل: لم تزيدوا -فيما ذكرتموه -على أمثلة ضربتموها، ومذاهب نقلتموها من الأئمة، والمذاهب لا تنتهض حجة، فما الحجة على القول بالوصف: الذي لا يناسب ولا يدل عليه إيماء ولا نص ولا تأثير [ولا مناسبة]؟
قلنا: إنما استقصينا القول في نقل المذاهب، لنفرة بني الزمان [عن ذلك] وتشوفهم إلى المؤثر والمخيل، وإلى الإيماء والنص؛
[ ٣٤٤ ]