ومن هذا الجنس؛ ما إذا اضطروا في مخمصة، وعملوا أنهم يهلكون جوعًا لا محالة، وأنهم لو قتلوا واحدًا بالقرعة وأكلوه لتخلصوا- فهو محرم [في الشرع] قطعًا، وعليهم الإنقياد لقضاء الله تعالى، فأما التخلص بالقتل: فباطل لا وجه له.
نعم: لوورد [حكم] الشرع في صورة السفينة -مثلًا- بالإلقاء بالقرعة، لكان ذلك تنبيها على رعاية هذه المصلحة، حتى نطردها في المضطرين في المخمصة، وبه يتبين أن إثبات الحكم على وفق المناسبة، تنبيه على ملاحظته؛ ولكن: إذا لم يرد الشرع بالحكم على وفقه، ولا رأى ذلك ملائمًا لتصرفات الشرع- كان ذلك أمرا [بدعًا] مستحدثًا في الشرع بمحض الرأى، من غير التفات إلى قالب الشرع، وهذا باطل كما قدمنا.
مثال آخر: فإن قال قائل: رأيتم قطع الأيدى باليد [الواحدة] قياسًا على قتل النفوس بالنفس [الواحدة]. فما مستندكم في قتل
[ ٢٤٩ ]
النفوس بالنفس الواحدة؟ أهو المصلحة [أم النص أم الإجماع]؟ فإن اتبعتم] ٤٠ - ب] المصلحة، فما وجه كون هذه المصلحة ملائمة لمصالح الشرع، وفيه قتل من ليس قاتلًا على الكمال، وهو مستبعد؟!
قلنا: لم ينقل فيه نص عن الشارع؛ وإنما المأثور عن عمر -﵁- في قتيل قتله جماعة، أنه قال: "لة تمالأ عليه أهل صنعاء: لقتلتهم به" فكيف يدعى فيه نص أو إجماع، ومذهب مالك: أنه لا يقتل من جملتهم إلا واحد خرجت القرعة عليه؟
[ ٢٥٠ ]
.. ..
[ ٢٥١ ]
فدل أن كل واحد- من الشافعي ومالك- سلك مسلك المصلحة؛ وهو الذي رآه عمر ﵁. وذلك يدل على اتفاق مسالك العلماء القائسين: في اتباع المصالح المرسلة؛ وإن لم يعتضد بشهادة أصل معين -مهما كام- من جنس مصالح الشرع؛ ووجه المصلحة: أن القتيل معصوم، وقد قتل عمدًا؛ وإهداره داع إلى خرم مقصود القصاص، وإتخاذ الظلمة الإستعانة ذريعة إلى [بغيتهم في] سفك الدماء [وقتل الأعداء]. وهذا وجه في المصلحة ظاهر،.
ولا يشهد له -بطريق الأصالة- قتل المنفرد، فإنه قاتل -تحقيقًا- على الكمال. ومقابلة النفس بمثلها، لا تدل على مقابلتها بأمثالها. ولكن المقصورد -المعلوم على القطع من أصل القياس- يتقاضى
[ ٢٥٢ ]
إلحاق المشتركين بالمنفردين.
وقول القائل: إن هذا أمر بدع في الشرع غريب، وهو: قتل غير القاتل. قلنا: ليس كذلك.
أما أبو حنيفة، فإنه يزعم: أن كل واحد قاتل على الكمال؛ مصيرًا إلى أن حد القتل جرح يتعقبه زهوق الروح.
ونحن لا نرى ذلك، وإنما نتبع المصلحة، وإليه يشير مذهب مالك -﵀- في المسئلة، ولكنا -مع ذلك- لم نقتل غير القاتل؛ فإن القتل حاصل، وهو مضاف إلى المتمالئين على الجرح؛ فهم القاتلون، ولم نقتل إلا القاتلين. نعم: لا يسمى كل واحد منهم قاتلًا على الكمال [والتمام]؛ ولكنا نقول: جميعهم في حكم شخص زاحد، والقتل مضاف إليهم إضافته إلى الشخص الواحد؛ فإذا جمعتهم رابطة الغستعانة، فقد صاروا في حكم الشخص الواحد، بالتعاضد على مقصد واحد، ومن جرح إنسانًا: فقد قصد قتله؛ فإذا جرحه غيره: فقد أيد قصده، وعضد غرضه؛ ولم يزاحمه عن مقصده، بل مالأه وعاونه عليه، فحسسن تنزيلهم منزلة الشخص الواحد، والقتل مضاف إلى جميعهم تحقيقًا، فلم نقتل إلا جمعًا قاتلًا، وإنما [النظر]: في تنزيل الأشخاص منزلة الشخص الواحد؛ وقد دعت إليه [الحاجة و] المصلحة، وأشار إليه سر المشاكرة؛ فلم يكن ذلك مبتدعًا.
[ ٢٥٣ ]
فإن قيل: في مذهب مالك -﵀- ما يحصل الزجر؛ فإن آحادهم إذا كانوا على مخافة من خروج القرعة عليهم، انتهض ذلك وازعًا، وتوقع خروج القرعة على الغير لا يكون سببًا للجرأة على القتل، كتوقع العفو من ولى الدم.
قلنا: لم ير الشافعي ذلك: من حيث أن الصارف عن قتل الكل اقتحام قتل من ليس قاتلًا على الكمال؛ وفي قتل الواحد منهم ارتكاب لهذا الأمر المحظور؛ والقرعة لا تؤثر في تكميل جنايته وتخصيصه بالموجب عن غيره؛ وإنما تصلح القرعة: عند تعارض الأسباب الكاملة للتعيين في حق الأشخاص؛ كما إذا لم يملك إلا ستة أعبد، فأعتقهم في المرض: أقرع بينهم، وأعتق اثنان، لأن سبب العتق كامل في حق كل واحد، وضاق المحل عن الوفاء؛ فتوصلنا إلى الترجيح والتعييم، بالقرعة.
وفي هذا المقام لم تتكامل الجناية من كل واحد؛ فإذا جاز الأقدام على القتل: فلا فرق بين شخص وشخص. على أن مقصود الزجر غير حاصل به؛ وكل يقدر انحراف القرعة عنه، لا سيما إذا كانوا جمعًا غفيرًا؛ وتوقع خروج القرعة عليه لا ينتهض وزاعًا؛ وهو كتوقع الإنسان
[ ٢٥٤ ]
الموت فجأة في كل حالة: فإنه ما من شخص إلا ويجوز -في كل وقت- أن يموت [فيه]؛ ولا أثر لذلك على قلبه. وليس ذلك كتوقع العفو من ولى الدم: فإنه -بعد إيغار صدره، وإثارة الحقد والضغينة في [٤١ - أ] باطنة- يبعد الاتكال عليه.
وعلى الجملة: المسألة اجتهادية؛ وإنما هذا نظر: في تعين الطريق في رعاية المصلحة؛ مع الاتفاق على مراعاة المصلحة.
فإن قيل: فإذا تعاون رجلان على السرقة، فثقب أحدهما وأخرج الآخر المال- فهلا أوجبتم القطع: رعاية للمصلحة، وحسمًا للباب؟ إذ فيه تمهيد ذريعة- هينة الدرك، قريبة المنال- لسرق الأموال، على اختلاف الأحوال؛ وهو الغالب من عادات السراق؟
قلنا: لأنه لم يبن لنا أن القطع مشروع لعصمة المال، كما بأن كون القصاص مشروعًا لعصمة النفس. ودل عليه ثلاثة أمور:
أحدها: وجوب القطع مع رد المال بكماله؛ وليس فيه تفويت واتلاف وحاجة إلى جبر.
والآخر: أن النفس مثل النفس، ولا مناسبة بين يد ديتها خمسمائة دينار- وفيه تعريض الروح للهلاك- وبين ربع دينار.
والآخر: أن القطع لو وجب عصمة للمال، لوجب لمستحق المال: حتى يسقط بإسقاطه كالقصاص؛ فلاح [بهذه الشواهد أن قطع اليد]
[ ٢٥٥ ]
عقوبة وجبت لله تعالى، بإزاء فاحشة ارتكبها العبد-؛ لتفاحش الجريمة، وما فيه من هتك المرء حرمه نفسه بالتضمخ بتلك الرذيلة. وإنما الصورة المتفاحشة: السرقة؛ والناقب لم يصدر منه إلا تخريب جدار الغير؛ وهذا وإن كان محظورًا: فلا يتفاحش في العقل والعرف والشرع، تفاحش السرقة؛ وشريكه لم يصدر منه إلا أخذ المال عن مضيعة؛ وليس ذلك على مضاهاة السرقة: في التفاحش. ومراتب القبح في الفواحش تختلف، وتتفاوت بسببها العقوبات الواجبة بها؛ ولا مناسبة بين هذه الصور.
[ ٢٥٦ ]
فإن قيل: لو اشترك رجلان في النقب وسرقة المال، بحيث لم يتميز فعل أحدهما عن الآخر- فما قولكم فيهما؟
قلنا: إن بلغ المال نصابين وجب القطع؛ وإن بلغ نصابا واحدًا فلا: لأن كل واحد [منهما] لا يخصه نصاب واحد، وما دون النصاب ليس في محل التشوف: لحقارته وخسته؛ فلا يفتقر فيه إلى [شرع] الزاجر، كالمنفرد بما دون النصاب.
فإن قيل: فالقطرة الواحدة من النبيذ لا تشتهى، والطباع لا تتشوف إليها: لأن المقصود [منها] الطرب والهزة المستثمرة من استيفاء الأقداح؛ فلم شرعتم فيها الحد؟
قلنا: لم نقتبس ذلك من المصلحة؛ ولكنا ألحقناه باليسير من الخمر، وقد ثبت فيه التحريم نصًا. وسببه: أن قليله داع إلى كثيره؛ ولا وازع من حيث الطبع: فالرجل يستخلى بنفسه في شرب الخمر، ولا حامي ولا عاصم وراءه.
أما الأموال [فأنها] مصونة محروسة بالأعين الكالئة، محفوظة
[ ٢٥٧ ]
بالقلاع المشيدة [العالية] وفي التسلق عليها: تغرير بالروح، واقتحام [متن] الخطر، مع التردد في قضاء الوطر. فعزازة المال ونفاسته هي الداعية إليه، ثم النظر إلى الشرع في تقدير النفيس، وتمييزه على الخسيس.
وهذا وإن كان مناسبًا وتنقطع عنه السرقة، فلسنا نراه على مذاق المصالح المستقلة، دون شهادة الأصل. فلو لم يرد الشرع بتحريم قليل الخمر، لما كنا بالذي يحرمه بهذا القدر من المناسبة. ولكن: إذا ورد الشرع بالحكم على وفقه، شهد لملاحظته؛ فنقيس به ما يقاربه وهو النبيذ؛ ولا يستقل بأثبات الحكم، دون شهادة الأصل، وإن كان ملائمًا. على ما سبق وجه ملاءمته، ولكنه واقع في الرتبة الأخيرة من المناسبات الجارية مجرى التتمة والتكميلات للقواعد المبنيى على الحاجات أو الضرورات؛ على ما سبق تفصيل القول فيها.
فإن قيل: فلم ألحقتم الأيدي بالنفوس في حكم القصاص، ووجه المصلحة في النفوس: عموم التعاون فيه على القتل غالبا، لاستقلال الواحد بدفع الواحد في الأعم الأغلب؟ والتعاون على قطع الأطراف على الوجه الذي يسترطه الشافعي-: من امتزاج الفعلين بحيث لا يتميز [٤١ - ب] أحدهما عن الآخر- لا يعرض إلا نادرًا. فكيف يلحق به بطريق المصالح؟
قلنا: إذا ثبتت قاعدة على مصلحة، لم تتبع آحاد الصور من
[ ٢٥٨ ]
القاعدة [على هدمها] بل انسحب الحكم على جميع الأطراف، مع التفاوت في مراتب الحاجة. والشركة في النفوس أيضًا قد تجرى وفاقًا ولا تجرى تواطؤًا؛ وقد تجرى مع الأب والأقارب، وهو نادر، والحكم منسحب. والممكن [فيه رعاية] إمكان الإستعانة، لا رعاية الإستعانة وجودًا؛ والإمكان جار في الأطراف؛ ونحن نحذر انتصاب ذلك ذريعة إلى الإهدار. وإذا علم الناس أن ذلك مدرأة للقصاص: انتحوا ذلك قصدًا، وجردوًا إليه العمد احتيالًا وصمدًا، واتخذوا ذلك طريقًا وصار عامًا. كما صارت صورة مسألة العينة عامة بين الخلق: إذ عرفوا أن ذلك حيلة في الخلاص من الربا. وكل من قصد مقصدًا، وكان الطريق إليه محسومًا، وسنحت له حيلة في تيسيرها- انتهض لها بأقصى الجد والتثمير؛ وصارت الحيلة الغريبة بصورتها عامة في الوقوع، بذلك.
فهذا طريق الإلحاق، والغرض: بيان وجوه الترداد على المصالح
[ ٢٥٩ ]