والتسليم والفاتحة والركوع والسجود - غيرها؛ بل لم يقس على الماء في الطهارات غيره، ولم يقس الأبدال والقيم في الزكوات على المنصوصات، ولم يقس في مسألة الأصناف. ومال في جميع مسائلها إلى الكف عن القياس، ورعاية الاحتياط، لأن مبنى العبادات على الاحتكامات، ونعني بالاحتكام: ما خفي علينا وجه اللطف فيه [٣٤ - ب]؛ لأنا نعتقد أن لتقدير الصبح بركعتين، والمغرب بثلاث، والعصر بأربع - سرًا، وفيه نوع لطف وصلاح للخلق، استأثر الله ﷾ بعلمه، ولم نطلع عليه. فلم نستعمله، واتبعنا فيه الموارد.
ولسنا نقول ذلك: لأنا نرى رعاية الصلاح واجبًا على الله تعالى، ولكنا عرفنا من أدلة الشرع أن الله تعالى -[ببعثه الرسل، وتمهيد] بساط الشرع - أراد صلاح أمر الخلق في دينهم ودنياهم؛ والله [﷾ منزه] عن التأثر بالأعراض، والتغير بالدواعي والصوارف، ولكنها شرعت لمصالح الخلق، نعقل ذلك من الشرع لا من العقل؛ كيلا يظن بنا ظان استمدادنا - في هذه التصرفات - من معتقدات أرباب الضلال،
[ ٢٠٤ ]
وطبقات الاعتزال.
فإن قال قائلٌ: فما قولكم في الاقناعيات من المناسبات؟
قلنا: ذلك - أيضًا - من المعتبرات في إثبات الأحكام؛ لأن جميع المناسبات - عند البحث - لا ترجع إلى اقتضاء المعاني الموجبات بذاتها، وإنما هو نوع من المناسبة يستدعى الحكم بالعادات المطردة؛ ولا يرجع ذلك إلى الذوات، مثل العلل في المعقولات، وللعادات التفات إلى المعاني الخطابية الإقناعية؛ وللشرع ملاحظة لجنسه؛ وهو من الدواعي المتقاضية بالعادة أيضًا، فإحالة الحكم عليه أغلب على الظن من اعتقاد التحكم الجامد الذي لا معنى له ولا سبب؛ وكأن العقول مشيرة إلى إحالة كل حكم على معنى؛ والاعتراف بالتحكم ضرورة العجز؛ فإذا فقد وجه سوى الوجوه الخفية الضعيفة، وجب التعليل بها. إلا أن الإقناعيات لا ينتفع بها غالبا في تعدية الأحكام؛ إذ يمكن أن يذكر لاختصاصها بمحل النص، معنى على ذلك المذاق: يخصها، ويمنعها من التعدي.
[ ٢٠٥ ]
بيانه: أن من علل تحريم بيع الخمر مثلا بنجاسته، بالطرق الذي قدمناه؛ وعداه إلى السرقين وسائر النجاسات - أمكن أن يقال في معارضته: أن [للشرع اعتناء] بنوع خسة أثبتها للخمر وخصصها بها: تنبيها على فسادها، وتحريضا على استقذارها واجتنابها؛ فتحريم البيع يختص بها ولا يتعدى إلى السرقين: لاختصاصها بهذا المعنى.
وكذلك لو علل تحريم بيع الكلب بنجاسته، بالطريق الذي قلنا - أمكن أن يقال في معارضته: أنه معلل بنوع خسة ورذالة تختص بالكلب في العادة؛ ولذلك يشبه الخسيس - من سائر الحيوانات - به: كما يشبه الشجاع بالأسد، والمنافق بالثعلب.
فيقابل الاحتمال بهذا القدر، لأن أمثال هذه المعاني لا يصفو عن التخييلات مذاقها، فيتسع نطاقها، ولا تحصل الثقة بها؛ فإن حصل به الثقة، وسلم عن المقابلة بمثله - جاز للمجتهد التعويل عليه: أن رآه؛ فإنا رأينا هذا الجنس في محل الاجتهاد، ويختلف ذلك بآحاد المسائل؛ فيجوز للمناظر الاحتجاج به: أن قدر إيراده في قالب المناسبة وشكله.
[ ٢٠٦ ]
هذا ما أردنا أن نذكره في المناسبات المستنبطة من الأصول المنصوصة، ولم نتعرض فيه لأدلة إثبات القياس على منكريه، مقصودًا لغرضين.
أحدهما: أن اعتناءنا في هذا الكتاب بما تمس [إليه حاجة] القائسين المتناظرين؛ وقبول أصل القياس - فيما بينهم - كالمفروغ منه.
والآخر: أن كلامنا - في هذه الترديدات والمرادات - أشتمل على اللباب من أدلة [إثبات] القياس، فلم يسترب من تأمل في مجارى هذه الكلمات - في مأخذ أصل القياس، وكونه حجة في الشرع.
وقد تم غرضنا من بيان المناسب الملائم والغريب: إذا ثبت حكم على وفقه.
أما المناسب المرسل: إذا ظهر في نفس المسألة على مذاق المصالح - وهو الذي يعبر عنه الفقهاء: بالاستدلال المرسل؛ وهو: التعلق بمجرد المصلحة من غير استشهاد بأصل معين، - فهذا ما اختلفت فيه رأي العلماء.
فالمنقول عن مالك - ﵀ -: الحكم بالمصالح المرسلة، ونقل عن الشافعي [فيه] تردد. وفي كلام الأصوليين [٣٥ - أ]- أيضًا - نوع
[ ٢٠٧ ]
اضطراب فيه. ومعظم الغموض في هذه القواعد منشؤه: الاكتفاء بالتراجم والمعاقد، دون التهذيب بالأمثلة.
ونحن نمهد - في مبدأ [هذا] الكلام - قاعدة، ثم نهذبها بالأمثلة. فنقول:
قد رتبنا المناسب [فيما تقدم] على ثلاث مراتب، وذكرنا أن منها: ما يقع في رتبة [الضرورات، ومنها: ما يقع في رتبة الحاجات، ومنها: ما يقع في رتبة] التحسينات والتزيينات.
فالواقع منها في هذه الرتبة الأخيرة، لا يجوز الاستمساك بها: ما لم يعتضد بأصل معين ورد من الشرع الحكم فيه على وفق المناسبة؛ ثم إذا اتفق لك، فنحه منه على علالة كما قدمناه، فأما إذا لم يرد من الشرع حكم على وفقه، فاتباعه وضع للشرع بالرأي والاستحسان؛ وهو منصب الشارعين، لا منصب المتصرفين في الشرع، وإنما إلينا التصرف في
[ ٢٠٨ ]
[هذا] الشرع الموضوع؛ فأما ابتداء الوضع: فليس لأحد من الخلق التجاسر عليه.
ومثال هذا الجنس: الحكم بأن ما حكم الشرع بنجاسته مثلا [فنحن نحرم] بيعه، ونقدر عدم وقوع الاتفاق على تحريم بيع بعض النجاسات.
وكذلك القول في الأمثلة التي ضربناها لهذه المناسبات: إذا قدر الابتداء بها في الفرع دون الاعتضاد بأصل، أو قدر عدم وجود الأصل.
فكل ذلك مثال لهذا الفن. ولا يخفي سقوط التمسك به، فإنا - بأنواع التكليف - توصلنا بإثبات الحكم على وفقه، إلى إثباته؛ وقدرنا الحكم شاهدا له، فإذا انقطعت الشهادة: لم يبق إلا الاستحسان والوضع بالرأي؛ وذلك باطل على القطع.
أما الواقع من المناسبات في رتبة الضرورات أو الحاجات، كما فصلناها - فالذي نراه فيها: أنه يجوز الاستمساك بها، أن كان ملائما لتصرفات الشرع. ولا يجوز الاستمساك بها: أن كان غريبا لا يلائم القواعد. ونقسمها نوعا آخر من التقسيم، فنقول: هي تنقسم إلى
[ ٢٠٩ ]