على اعتباره من تأثير، أو ملائمة، أو فقد التأثير والملائمة. فما حد المناسب وحقيقته [وإلى ماذا يرجع حاصله] وما المعيار الذي يعرف به كون المعنى مناسبا: إذا وقع فيه الشك للناظر، أو التنازع للمناظر؟
قلنا: المعاني المناسبة: ما تشير إلى وجوه المصالح وأماراتها. وفي إطلاق لفظ المصلحة [أيضا] نوع إجمال؛ والمصلحة ترجع إلى جلب منفعة أو دفع مضرة. والعبارة الحاوية لها: أن المناسبة ترجع على رعاية أمر مقصود.
أما المقصود، فينقسم: إلى ديني، وإلى دنيوي. وكل واحد ينقسم: إلى تحصيل، وإبقاء. وقد يعبر عن التحصيل بجلب المنفعة. وقد يعبر عن الإبقاء: بدفع المضرة. يعني: [أن] ما قصد بقاؤه: فانقطاعه مضرة، وإبقاءه دفع للمضرة. فرعاية المقاصد عبارة حاوية للإبقاء ودفع القواطع، وللتحصيل على سبيل الابتداء. وجميع أنواع المناسبات ترجع إلى رعاية المقاصد. وما انفك عن رعاية أمر مقصود، فليس مناسبا. وما أشار إلى رعاية أمر مقصود، فهو: المناسب.
[ ١٥٩ ]
ثم الشيء ينبغي أن يكون مقصودا للشارع، حتى تكون رعايته مناسبة في أقيسة الشرع. فقد علم - على القطع [٢٨ - ب] أن حفظ النفس والعقل والبضع والمال، مقصود في الشرع.
فجعل القتل سببا لإيجاب القصاص، لمعنى معقول مناسب، وهو: حفظ النفوس والأرواح المقصود بقاؤها في الشرع، وعرف كونها مقصودة على القطع.
وحرم الشرع شرب الخمر: لأنه يزيل العقل؛ وبقاء العقل مقصود للشرع، لأنه آلة الفهم وحامل الأمانة، ومحل الخطاب والتكليف.
والبضع مقصود الحفظ، لأن في التزاحم عليه اختلاط الأنساب، وتلطيخ الفراش، وانقطاع التعهد عن الأولاد: لاستبهام الآباء: وفيه التوثب على الفروج بالتشهي [والتغلب] وهي مجلبة الفساد والتقاتل.
والأموال مقصودة بالحفظ على ملاكها؛ عرف ذلك بالمنع من التعدي على حق الغير، وإيجاب الضمان، ومعاقبة السارق بالقطع.
[ ١٦٠ ]